دفاعا عن الحريات والدستور : الاستقالة (2)

الاستقالة

دفاعا عن الحريات والدستور 

الاســـتــــقـــــالـــــــة

المقاطعة الانتخابية

نواب الشعب : المجلس أداة بيد الحكومة

تمحورت أهم التعديلات الأساسية في القوانين، التي أكدت المعارضة الوطنية على خطورتها في منع قانون الأندية والجمعيات تدخل الأندية أو الجمعيات من التدخل في الشؤون السياسية، في حين أعطى التعديل على قانون المطبوعات والنشر الحق للحكومة في تعطيل الصحف وإلغاء ترخيصها، أما قانون الوظائف العامة فأعطى الحق للحكومة لفصل أي موظف من وظيفته وحرمانه من حقه في التقاعد والمكافأة ومن التعيين في أي وظيفة عامة أخرى وكذلك من حقوقه السياسية.

حملة «الطليعة»

ومع إقرار التعديلات على القوانين السالفة الذكر، بدأت «الطليعة» وفي صيف العام ذاته بشن حملة صحفية منظمة لتوضيح مخاطر القوانين التي مررتها الحكومة من خلال مجلس الأمة وبينت مساوئ تطبيقها نحو توعية المجتمع بخطورتها ومدى تضييقها للحريات العامة.

يقول د. أحمد الخطيب في هذا الصدد: «بعد استقالة الحكومة عام 1964، فوجئنا بأن الحكومة الجديدة أعدت برنامجا يستهدف النيل من المكتسبات الشعبية التي ضمنها الدستور .. وبدأت بشائر هذا المخطط عندما أقرت قانون المختارين وجعلت تعيينهم يأتي من قبل وزارة الداخلية بدلا من انتخابهم، ثم سارعت الى تعديل قانون الوظائف العامة لإعطاء الحكومة سلطة فصل أي موظف إذا اقتضت المصلحة العامة التي عادة ما تكون ليس لها أي علاقة بالمصلحة العامة بل بمزاج الحكومة لاستبدال الموظفين الأكفاء بآخرين طيعين دون النظر إلى الكفاءة». ويواصل د. الخطيب: «غيرت – الحكومة – قانون المطبوعات لتعطي نفسها الحق بإغلاق الصحف أو إلغاء امتيازها إداريا ومنعها من التظلم للقضاء، وحصر التظلم بمجلس الوزراء، وعدلت كذلك قوانين جمعيات النفع العام والتجمعات بما يقلص الحريات العامة».

الاستقالة

بتاريخ 7 ديسمبر 1965 قدم نواب الشعب: يعقوب الحميضي، راشد التوحيد، علي العمر، سليمان المطوع، عبد الرزاق الخالد، د. أحمد الخطيب، سامي المنيس وجاسم القطامي، استقالتهم من مجلس الأمة.

وقد شرح نواب الشعب في كتاب استقالتهم الوضع الذي كانت تعيشه الكويت في تلك الفترة وما آلت اليه التجربة البرلمانية، وكانت النية تتجه لدى النواب المستقيلين أن تقدم استقالتهم مع نهاية دور الانعقاد الثالث لمجلس الأمة الأول عندما استطاعت الحكومة ومن خلال أغلبيتها البرلمانية تمرير عدد من القوانين اعتبرها نواب الشعب بأنها مكبلة للحريات.

وقد انتظر نواب الشعب قبل تقديم استقالتهم مبادرة حكومية بعدم تطبيق هذه القوانين إلا أن صيف العام 1965 شهد تطبيقا فعليا من قبل الحكومة لهذه القوانين عندما تعرض الجهاز الوظيفي لغربلة واسعة أبعدت من خلالها العناصر المخلصة والكفؤة، كما تعرضت النقابات لمضايقات وداهمت المباحث مقر الاتحاد العام للنقابات، وتعرض ممثلو العمال واتحاد الطلبة الى معاملة غير لائقة من قبل بعض المسؤولين، إضافة الى تعطيل ثلاث صحف دفعة واحدة من دون أي محاكمة. كما أن مرض ووفاة الأمير الشيخ عبدالله السالم أخّر في تقديم هذه الاستقالة، إضافة الى انتظار نواب الشعب لبيان من الحكومة في جلسة مجلس الأمة بتاريخ 7 ديسمبر 1965 والذي لم يتضمن أي إشارة لهذه القوانين. وخرجت «الطليعة» في اليوم التالي بمانشيت حزمت فيه الأمر بالقول ان «المعارضة لن تعود للمجلس»!

البرلمان وسيلة لا غاية

وقد شكل نبأ الاستقالة مفاجأة غير متوقعة لدى العديد من المراقبين، وكذلك الرأي العام المحلي الذي فوجئ بها، فكتبت الهدف بتاريخ 9 ديسمبر 1965 على صدر صفحاتها الأولى «نعارض.. المعارضة..!» و«على المعارضة أن تعود للمجلس» في مطالبة منها لنواب الشعب بسحب استقالتهم والتراجع عنها.

وقد أكد نواب الشعب المستقيلون في كتابهم «أن التمثيل البرلماني وسيلة لا غاية، فهو وسيلة لتحقيق غاية نبيلة وهي بناء مجتمع أفضل يتمتع فيه الأفراد بكافة الحريات، ويحقق المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، ويقيم العدالة الاجتماعية باعتبار أنه في ظل هذه المقومات يتمكن الفرد من الخلق والإبداع ويستطيع المجتمع الإسهام في إنماء الحضارة الإنسانية، والحق أنه لا يمكن أن يوجد حكم نيابي إلا على أساس من الحريات العامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدل الاجتماعي. ولا يمكن أن توجد الحريات العامة إلا على أساس توافر المقومات والضمانات لحرية الرأي والعقيدة والتعبير والاجتماع».

وأضافوا «وتحولت بذلك السلطة التشريعية من وسيلة في يد الشعب لتحقيق مزيد من الحريات ومزيد من المكاسب التقدمية إلى أداة في يد الحكومة ووسيلة للضغط وخنق الحريات الشخصية والعامة، وأصبح الوضع في مجلس الأمة أقرب إلى المسرحيات منه إلى المواقف الجادة التي تضع مصلحة الشعب نصب أعينها».

وذكروا أيضا في استقالتهم «الأصل في الدستور هو ضمان الحريات العامة وضمان حرية الرأي والعقيدة والاستثناء هو القيود التي تنظم ممارسة تلك الحريات وضبطها حتى يكون المواطنون على بينة من الحدود التي لا يتجاوزونها، وتلك طبيعة التشريع، فالأصل الدستوري إذناً هو الحرية، وقد كفل الدستور هذا الأصل والاستثناء هو القيد، ولا يجوز أن يمحو الاستثناء الأصل أو يجور عليه أو يبطله أو يعطله، فالمشرع فيما عدا حالتي الحرب والأحكام العرفية لا يملك أن يجور على حرية الرأي بحيث يعوقها عن أداء وظيفة من وظائفها في النظام الديمقراطي لأنه لا يملك أن يعطل عمل النظام الديمقراطي تعطيلا كليا أو جزئيا وإنما يملك فقط أن يضمن بتدبير أو بجزاء عدم تجاوز حرية الرأي الحدود التي تفرضها عليها طبيعتها ووظائفها المطلوبة منها في البيئة الديمقراطية التي تعمل فيها، ولكن للأسف قد كبل الشعب بقيود قاسية لا يمكن أن يسكت عنها إلا في حالتي الحرب وإعلان الأحكام العرفية».

وأكدوا في ختام كتاب الاستقالة «التمثيل النيابي أمانة كبرى في أعناقنا يجب أن تؤدى بكل شرف ونزاهة، وشعورا منا بأن القيام بهذا الواجب في ظل هذه الظروف أصبح أمرا مستحيلا، لذلك فان بقاءنا في المجلس والمشاركة في أعماله مساهمة في تضليل المواطنين وإيهامهم بأن الديمقراطية في أمان في حين أنها تتعرض للتزييف وبأن الدستور مصان في الوقت الذي تتعرض فيه نصوصه لانتهاكات صارخة».

مناقشة الاستقالة

في 21 ديسمبر 1965، ناقش مجلس الأمة استقالة نواب الحركة الوطنية من المجلس في جلسة استغرقت ما يقارب ست ساعات، ووقف عدد من النواب وتحدثوا عن أهمية الاستقالة وما احتوته من مسببات تستدعي معالجتها إذا كان الهدف هو عودة النواب المستقيلين.

عبدالعزيز الصقر تحدث في هذه الجلسة عن أهمية الاستقالة وأنها تعبر عن شعور المواطن بالتضييق عليه من قبل الحكومة، أما محمد الرشيد فطالب في حديثه إزالة المسببات لكسب النواب المستقيلين وأن القوانين التي صدرت لم تكن إلا مبررات للحكومة لتضييق الحريات. في حين تحدث النائب راشد الفرحان عن أهمية وجود المعارضة داخل المجلس وقال ما قيمة المجلس من دون معارضة، متسائلا في الوقت ذاته هل من السهل أن يقال ان ثمانية من خيرة شباب مجلس الأمة استقالوا؟ وطالب في ختام حديثه بعدم قبول الاستقالة ودعوة النواب المستقيلين للتفاوض معهم حول الأسباب ودعوة المسؤولين الى النظر للأمور بعين الاعتبار وردها الى نصابها.

وفيما أكد النائب حمود النصف في مداخلته أن الاستقالة مسببة وإذا كان هناك من يطالب برفضها فيجب الغاء مسبباتها. قال النائب يوسف المخلد ان الاستقالة مسببة وأسبابها واضحة، المستقيلون لا لوم عليهم محاضر الجلسات ترفع رؤسهم ويكفيهم شرف اتفاقية تنفيق العائدات، والاستقالة وضعت النقاط على الحروف، هل بإمكان مجلس الأمة أن يقف للتاريخ ويقول هذه مسببات صحيحة، وقد أقسمنا على صيانة الدستور، فهل قانون التجمعات والصحافة ودخول المباحث مقر العمال هل هذا يجاري الدستور؟! انتهت هذه الجلسة باقتراح يقضي باتصال رئيس المجلس خالد الغنيم بالنواب المستقيلين ويبلغهم رغبة المجلس بسحب استقالتهم، وقد صوت على هذا الاقتراح 34 عضوا مقابل معارضة 15 عضوا. وبتاريخ 28 ديسمبر 1965 وافق مجلس الأمة استقالة نواب الشعب بأغلبية 37 عضوا ومعارضة 6 أعضاء، وقد صوتت الحكومة ورئيس المجلس لمصلحة قبول الاستقالة! وبعد نهاية الجلسة أصدرت الحكومة بيانا حول استقالة نواب الشعب اتهمت فيه النواب المستقيلين بالهروب من ميدان العمل الدستوري البناء ومحاولتهم إفساد الحياة النيابية والضغط على الحكومة والمجلس بطرق لا دستورية!! كما بين بيان الحكومة وجهة نظرها حول هذه التعديلات التي تقدمت بها وأقرها مجلس الأمة.

ويعلق د.عبد المحسن جمال على أهمية هذه الاستقالة بالرغم من سلبيتها، بوجهة نظره بأنها جعلت الشعب يعي حقيقة أن هدف المعارضة ليس دخول المجلس فقط ولكن العمل من أجل حماية مصالح المواطنين، ورفضها لكل القرارات التي أعاقت إرادة الشعب.

الانتخابات التكميلية

لم تكن استجابة جموع الناخبين للانتخابات التكميلية التي جرت لسد الفراغ الذي خلقته استقالة النواب الثمانية بقدر الطموح الذي كان يتمناه البعض عندما راهن على هذه الانتخابات، بل ان وزارة الداخلية لم تعلن حينها النتائج التفصيلية كاملة.

«الطليعة» بدورها نشرت تفاصيل الاقتراع الذي جرى في أربع دوائر انتخابية وهي : الثانية، السادسة، الخامسة والثامنة، وخلصت الى نتيجة مفادها أن 74 في المائة من الناخبين في هذه الدوائر قاطعوا هذه الانتخابات، وقالت ان نتائج هذه الانتخابات أثبتت «سخط الشعب على سياسة كبت الحريات وانتهاك الدستور التي انتهجتها الحكومة وأغلبيتها الموالية في مجلس الأمة، وأن وزارة الداخلية حينما امتنعت عن إذاعة هذه النتائج كانت تدرك هذه الحقائق غير المشرفة بالنسبة للحكومة وللمجلس في نفس الوقت!!».

وقد كان مجموع فارق الأصوات في هذه الانتخابات قد وصل الى 4594 صوتا بين ما حصده نواب الشعب وبين من رشح نفسه كبديل عنهم.

«أخبار الكويت»: الاستقالة هي القوة

جريدة «أخبار الكويت» كتبت على صدر صفحاتها حول استقالة نواب الشعب قائلة: «إذا كانت استقالة النائب هروبا من المسؤولية فهي إذاً ضعف ولكنها إذاً كانت بمعنى الاحتجاج على أوضاع غير دستورية تسندها أكثرية كل فرد منها يركب رأسه ويعاند إذاً فهي قوة لأن كلمة ـ لا ـ في حد ذاتها دليل قوة لأنها دليل على حرية الرأي بل تحرير الرأي من ضغط الأغلبية الموالية»، وتواصل «أخبار الكويت» كلمتها «لا شك في أن كلمة ـ أغلبية ـ لها وزنها في النظم الديمقراطية ولكنها مع ذلك لا تمثل دائما الوضع الدستوري السليم، فكم من أغلبية برلمانية جيء بها لبلوغ أهداف معينة ليست في مصلحة الشعب.. (وهي) لا تعطي دائما المعنى الدستوري الكامل، فالذي يعطيه هو طبيعة عمل هذه الأغلبية، وموقفها من القضايا الشعبية لا سيما قضايا الحريات التي هي الأساس في النظم الدستورية ومن دونها ـ أي من دون هذه الحريات ـ فالدستور يكون وهما وخدعة.. ولما كان دستور الكويت حقيقة إذن فهو حريات وهو كرامة وهو كيان ذاتي للشعب، هذه هي صفاته ولا بد من أن تحترم الأغلبية هذه الصفات وتحترمها السلطة التنفيذية وتضعها في مواضع الحقائق الملموسة، فإذا لم تقم الأغلبية بواجباتها وتنحاز الى جهة مضادة إذاً هي الضعيفة، لأن الانحياز ضعف في حد ذاته ، ومقاومة هذه الأغلبية المنحازة والاحتجاج عليها بالاستقالة هو القوة».

إدانة

لم تكن الجلسات سوى إدانة لحقيقة أوضاع المجلس بشكل عام كما قال المرحوم سامي المنيس في تعليقه على هذه الجلسات، حيث أكد في تصريحات صحفية أن الجلسة كانت إدانة لمواقف الموالين للحكومة ومحاولات للنيل من مواقف المعارضة وأن الاستقالة كانت ضربة قاسية لهم أعمتهم عن تحديد الحقائق التي شملتها مسببات الاستقالة.

مراجع ومصادر :

  • أحمد الخطيب: الكويت من الإمارة الى الدولة، ذكريات العمل الوطني والقومي، (بيروت: المركز الثقافي العربي، ط1، 2007).
  • أحمد ديين : الديمقراطية في الكويت مسارها واقعها تحدياتها آفاقها ، (الكويت: دار قرطاس للنشر، ط1 ، 2005).
  • شفيق الغبرا: الكويت دراسة في آليات الدولة القطرية والسلطة والمجتمع، (القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ـ دار الأمين للنشر والتوزيع، 1995).
  • عبدالله فهد النفيسي : الكويت الرأي الآخر، (لندن، دار طه للتوزيع ، 1978).
  • عبد المحسن يوسف جمال : المعارضة السياسية في الكويت ، (الكويت : دار قرطاس للنشر ، ط1 ، 2004) .
  • غانم النجار : مدخل للتطور السياسي في الكويت، (الكويت: دار قرطاس للنشر، ط2، 1996).
  • محمد غانم الرميحي : الجذور الاجتماعية للديمقراطية في مجتمعات الخليج العربي المعاصرة ، ( بيروت : دار الجديد ، ط 4 ، 1995).
  • مجلة المصور المصرية : 1 فبراير 1963.
  • جريدة أخبار الكويت : 24 يناير 1963 ، 26 ديسمبر 1965.
  • جريدة الرأي العام : 26 أبريل 1963.
  • جريدة الرسالة : 26 ديسمبر 1965.
  • جريدة الطليعة : 23 يونيو 1965، 30 يونيو 1965، 21 يوليو 1965، 28 يوليو 1965، 8 ديسمبر 1965، 22 ديسمبر 1965، 29 ديسمبر 1965، 5 يناير 1966، 16 فبراير 1966.
  • جريدة الهدف : 9 ديسمبر 1965.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.