دفاعا عن الحريات والدستور : الاستقالة (1)

الاستقالة

دفاعا عن الحريات والدستور (1)

الاســـتــــقـــــالـــــــة

“الطليعة” تكشف المؤامرة بعد 3 أشهر من التجربة البرلمانية

جاسم القطامي يعلن انسحاب “نواب الشعب”

الأحداث السياسية التي مرت على المجتمع الكويتي كثيرة ومتعددة، ومن أهمها ما يحدث في مجلس الأمة من قضايا تطرح والمواقف منها. والحركة الوطنية الكويتية كان لها العديد من القضايا التي طرحتها بقوة في مجلس الأمة، وكانت لها المواقف الجادة في مواجهة أي توجه ليس في مصلحة المجتمع والشعب الكويتي.

ولعل الموقف من الحريات والديمقراطية أهم هذه المواقف والقضايا، فقد كفل الدستور الكويتي وفقا للمادتين 36 و37 حرية الرأي والبحث العلمي وكذلك حرية الصحافة والطباعة والنشر. كما كفل في المادة 43 حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سليمة.

وانطلاقا من هذه المواد كان موقف الحركة الوطنية الديمقراطية المنادي بهذه الحقوق، لأنها حق طبيعي، ولكن مع بدايات العمل البرلماني المنظم في الكويت حدثت توجهات مخالفة ومعاكسة من بعض الأطراف نحو تقييد هذه الحريات وفق قوانين معينة بعيدا عن روح الدستور. وكان موقف الحركة الوطنية متميزا في التصدي ومواجهة التوجهات غير الديمقراطية، ورفضت هذه القوانين، الى أن اتجه الأمر الى تقديم النواب الوطنيين استقالاتهم من مجلس الأمة، لأن هدف الحركة الوطنية الأول ليس الحصول على مقعد برلماني بقدر ما كان الحصول على مكاسب للمواطن الكويتي.

«الطليعة» تفتح ملفا خاصا من ذاكرة الحركة الوطنية الكويتية وتعيد قراءة بعض الأحداث السياسية التي مرت على واقع المجتمع الكويتي، وتسلط الأضواء عليها مجددا في الوقت الذي يحاول البعض النيل من مواقف هذه الحركة.

في 19 يونيو 1961 منحت بريطانيا الكويت استقلالها وسط ظروف ومتغيرات كبيرة شملت العالم بأسره، ولم يكن الوطن العربي ببعيد عنها، وفي الكويت كانت هناك جملة من العوامل المؤثرة داخليا وخارجيا تدفع باتجاه قبول الخيار الديمقراطي والمشاركة الشعبية المتنامية، ومن أهم هذه العوامل:

1 ـ مطالبات الرئيس العراقي الأسبق عبدالكريم قاسم في مؤتمر صحفي بضم الكويت إلى العراق.

2 ـ انتشار التيار القومي العربي الذي قاده الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أدى إلى نهوض وبروز حركة وطنية موحدة في الكويت قادرة على الاستدعاء السياسي وتحريك الشارع.

3 ـ طبقة التجار في تلك الفترة أرادت لنفسها المزيد من النفوذ فركبت الموجة القومية والوطنية.

4 ـ التكوين السكاني المتجانس الذي هيأ فرصة مناسبة للتماسك السياسي على المستوى الشعبي. هذه العوامل أدت الى اتخاذ الخطوة الأولى نحو التحول الى نظام دستوري بالدعوة الى انتخاب مجلس تأسيسي مهمته الأساسية وضع دستور دائم للبلاد ومن ثم عرضه على الأمير لإقراره تمهيدا للعمل به، وقد أنجز المجلس التأسيسي هذه المهمة باقتدار وخلال فترة زمنية لم تتعد عاما واحدا. وقد لعبت لجنة الدستور والتي تكونت من عبداللطيف ثنيان الغانم وحمود الزيد وسعود العبدالرزاق ويعقوب الحميضي والشيخ سعد العبدالله، أدوارا مهمة في إقرار الدستور وإجراء التعديلات والمقترحات اللازمة.

وفي 9 نوفمبر 1962 أقر المجلس التأسيسي الدستور والذي اعتمده الأمير في 11 نوفمبر دون إجراء أي تعديلات عليه.

انتخابات المجلس الأول

أجريت أول انتخابات لمجلس الأمة في 23 يناير 1963 بمشاركة 205 مرشحين وتراوحت نسبة المقترعين بين 85 الى 90 في المائة، وقد حقق نواب التيار الوطني حضورا قويا واستطاعوا تحقيق نتائج بارزة مكنتهم من الوصول لقبة البرلمان الأول، ولم يكن هذا الفوز ذا تأثير محلي فقط بل تعداه ليصل وقعه وتأثيره خارجيا، فقد نقلت مجلة المصور المصرية وقائع هذه الانتخابات وأفردت تغطية واسعة لانتصار التيار الوطني عندما ذكرت «القوميون العرب كسبوا أول انتخابات كويتية». إلا أن التيار الوطني، بصورة عامة، لم يشكل أغلبية واضحة، بل كانت الأغلبية لمصلحة مؤيدي الحكومة، كما هي الحال في غالبية المجالس وليس المجلس الأول فقط.

ويحدد د. غانم النجار طبيعة تشكيل المجلس الأول من خلال تقسيم أعضائه الى عدد من المجموعات والتي تمثلت في: أفراد الأسرة الحاكمة بحكم كونهم وزراء، والمجموعة التجارية والطبقة الوسطى التي تشكلت من فئتين، الأولى الناشطون سياسيا والثانية غير محددة الأهداف، والتي تكونت أيضا من فئات مؤيدة للحكومة وأخرى مؤيدة للتيار الوطني القومي وعناصر محسوبة على أحد أفراد الأسرة الحاكمة، إضافة إلى التجمعات العرقية والقبلية والطائفية.

ويرى د. عبدالله النفيسي الوضع في مجلس الأمة الأول «ان المجلس الأول تفاعلت ضمنه مجموعة من العوامل الثقافية والتاريخية والسياسية بحيث لم تتمكن القوى الديمقراطية الحقيقية في المجلس من فرض قوتها. لقد حاولت الأقلية المعارضة آنذاك بما لديها من فهم ووضوح أن تشرح للأغلبية في المجلس خطورة المهمة المناطة بالمجلس ومسؤولياته التاريخية تجاه البلد كأعضاء في الهيئة التشريعية إلا أنها لم تقابل بأي تجاوب. ونتيجة ذلك كان المجلس الأول: أقلية ترى كل شيء ولا تستطيع عمل أي شيء، وأغلبية لا ترى كل شيء وتملك كل شيء».

ويضيف د. النفيسي «تحول المجلس الأول من مجلس يفترض فيه أن يحاسب السلطة التنفيذية الى مجلس موال لها، ونتيجة لذلك برزت عدة نقاط هي بالأحرى الوجه القبيح للديمقراطية .. التحدي لما يقال من المعارضة حتى لوكان مفيدا بالنسبة للبلد.. التشويش على مواقف الأقلية الواعية في المجلس وإبرازها بأنها مواقف متطرفة ولا تخدم المصلحة العامة». استمر مجلس الأمة الاول في أداء عمله إلا أنه كان في الأفق ما يشير الى وضع ما من المحتمل أن يحدث في القريب.

المؤامرة

بتاريخ 21 أبريل 1963 وبعد أقل من ثلاثة أشهر من انطلاقة التجربة الديمقراطية لمجلس الأمة الأول، حذرت «الطليعة» من وجود مؤامرة تستهدف الحريات العامة وأعلنت عن «مؤامرة على التجربة الديمقراطية في الكويت» وأن «المتآمرين يطالبون بحل مجلس الأمة واعتقال الحريات» وذكرت أن «المتآمرين على مصلحة الشعب والحاقدين على التجربة الديمقراطية في دولة الكويت أرعبهم هذا النجاح الذي حققته دولتنا الفتية، وكانوا في كل مرة يسمعون فيها رأيا حرا يرتفع أو عملا تقدميا ينجز يسارعون الى خلق البلبلة والتشكيك في نفوس أبناء هذا البلد واضعين بذلك العراقيل أمام سيره الحثيث لإبعاده عن الطريق الصحيح.. لقد حاولوا أكثر من مرة استغلال أحداث ومناقشات حساسة مرت بهذا البلد ولكن كان الفشل دائما حليفهم».

وفي المقابل كانت هناك حملات صحفية أخرى لم تذهب الى الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية بل كان همها الأول هو الهجوم على نواب الحركة الوطنية، واستماتت بعض الصحف في هذا الاتجاه، ووصل الأمر الى قلب تسمية نواب الشعب الى «نواب الشغب»، في حين وصفت صحف أخرى هؤلاء النواب بنواب الأقلية الثمانية أو «الأقليين»!!

استقالة الحكومة

دخل المجلس الأول بعد انتهاء دور انعقاده الأول في أزمة سياسية هي الأولى في الحياة البرلمانية الكويتية عند التشكيل الحكومي، وعرفت هذه الأزمة بـ « أزمة المادة 131 من الدستور» والتي تمحورت حول عدم الإجازة للوزير أثناء توليه الوزارة أن يتولى اي وظيفة عامة أخرى أو أن يزاول ولو بطريق غير مباشر مهمة حرة أو عملا صناعيا أو تجاريا أو ماليا، كما لا يجوز له أن يسهم في التزامات تعقدها الحكومة أو المؤسسات العامة، كما لا يجوز له أن يشتري أو يستأجر مالا من أموال الدولة حتى لو كان هذا الأمر عن طريق المزاد العلني أو أن يؤجر الحكومة أو يبيعها شيئا من أمواله أو يقاضيها عليها.

وقد تشكلت كتلة من 28 نائبا معظمهم من نواب الدوائر القبلية وبعض النواب المقربين من الحكومة وبعض ممن لم يشاركوا في الحكومة التي تشكلت في 6 ديسمبر 1964 ورفضت حضور جلسة أداء القسم الدستوري بسبب اعتراضها على التشكيل الوزاري الذي شارك فيه عدد من التجار.

وأمام هذا الوضع رفعت الحكومة الى الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم كتابا بعدم التعاون مع المجلس، وقرر الأمير قبول استقالة الحكومة واستمرار المجلس وتشكلت حكومة جديدة في يناير 1965.

القوانين

في عام 1965 استطاعت الحكومة من خلال أغلبيتها البرلمانية إقرار عدد من التعديلات على قوانين معينة أدت في محصلتها النهائية الى كبح عملية إضفاء الطابع الليبرالي على الحياة السياسية وتسببت في نشوب أزمة في العلاقة بين الدولة والمجتمع . ففي جلسة مجلس الأمة التي عقدت بتاريخ 22 يونيو 1965، والتي كان جدول أعمالها يتضمن العديد من المشاريع التي أحالتها الحكومة وهي: مراسيم بتعديل قانون الوظائف العامة، وإقامة الأجانب وقانون المطبوعات والنشر وكذلك قانون الأندية والجمعيات. وقد أعطيت لهذه المراسيم صفة الاستعجال وقدم نواب الشعب اعتراضهم على صفة الاستعجال غير «الطبيعية».

ودارت في هذه الجلسة مناقشات حامية حول التعديلات التي قدمتها الحكومة بشأن تلك القوانين، وتصدى نواب الشعب لهذه التعديلات محاولين صرف النظر عنها، إلا أن الجلسة انتهت بطلب الحكومة بالتصويت على تعديلاتها وهي التي تملك الأغلبية داخل المجلس فما كان من نواب الشعب إلا الانسحاب من هذه الجلسة.

وفي الجلسة التالية التي عقدت يوم السبت 26 يونيو 1965، والتي كانت مخصصة لإقرار القوانين، وقف جاسم القطامي موجها حديثه للرئاسة: « قبل المناقشة أريد أن أعرض عليك موقفنا لأننا سننسحب كمعارضة. فنحن لا نريد أن نناقش هذه القوانين التي نعتقد تماما أنها قوانين ضد الحرية وضد الديمقراطية، ونحن نعتقد أنها بداية لما تخوفنا منه وأعلناه في جلسات سابقة، وقد اتضح ذلك الآن فقبل يومين ألقي القبض على سكرتير «الطليعة» وأبعد. ونحن إذ ننسحب نعلن أن انسحابنا هو احتجاج عليها كلها، على تعديلات قانون الوظائف العامة والأندية والصحافة، فهي جميعها كما بان الآن موجهة ضد الحريات وضد الديمقراطية»، وبعد هذه الكلمة الموجزة انسحب نواب الشعب وعدد آخر من النواب من القاعة كما انسحب معهم أغلب الحضور من الجمهور والزوار.

الطامة الكبرى

جاسم القطامي رأى أن الطامة الكبرى كانت حين تقدمت الحكومة بتعديلاتها الجائرة والتي هي طعنة للدستور، مضيفا أن الأكثرية الموالية للحكومة ناصرتها في هذا الباطل، وأكد أن المعارضة حينما درست موضوع الخروج من المجلس وصلت الى اقتناع تام بأن وجودها ضمن هذا الجو ضد مصلحة الشعب وجريمة في حقه وخروجنا من المجلس هو تمسك بالديمقراطية والدستور والأمانة التي حملها لنا الشعب.

التعدي

عبد الرزاق الخالد برر الاستقالة في تعدي الموالين والحكومة على الدستور باصدارهما القوانين الجائرة، لأن الدستور هو المرتكز الذي تقوم عليه الديمقراطية، وأن المجلس لم يعد يحترم الدستور الذي أقسم على الحفاظ عليه وصيانته.

التمسك

راشد التوحيد أكد على أن الاستقالة هي التمسك بالدستور وبمعانيه ونصوصه التي تحث على التعاون والتعاضد والحرية والمساواة، وأن الاستقالة كانت دفاعا عن هذه المبادئ الدستورية ولا يمكن أن تكون من أجل التفرقة، وأن الدستور هو دليل التكاتف ونحن متمسكون به، كما أننا ضد من ينتقص من مبادئه أو من معانيه.

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.