في الذكرى الأولى لرحيل المناضل البحريني عبدالرحمن النعيمي: الأمل في الشباب نحو طريق الحرية والديمقراطية

أبو أمل عبدالرحمن النعيمي

أبو أمل عبدالرحمن النعيمي

تحل يوم السبت المقبل (الأول من سبتمبر) الذكرى الأولى لوفاة المناضل البحريني عبدالرحمن النعيمي (1945-2011)، الذي اشتهر باسمه المستعار (سعيد سيف)، والذي يُعد أحد أهم الشخصيات الوطنية في منطقة الخليج العربي، والذي كرَّس كل حياته دفاعا عن قناعات آمن بها، من خلال كفاح طويل ومضنٍ في سبيل الحرية والديمقراطية، حيث أفنى معظم سنوات حياته في منفى إجباري فرضه الواقع السياسي البحريني في رحلة استغرقت 33 عاما، إلى أن عاد إلى وطنه في فبراير من العام 2001، بعد العفو الملكي عن كل المُبعدين السياسيين.

وحقيقة، لم أجد في هذه المناسبة غير استعادة الذكريات الخاصة مع هذا الرجل، في ضوء الحوار الذي أجريته معه في نهاية أغسطس2005 في زيارتي الأولى للبحرين، والتي كانت مخصصة للالتقاء به، حيث كنت وقتها بدأت بالشروع في كتابة دراسة خاصة عن حركة القوميين العرب في منطقة الخليج العربي، وهي الدراسة التي نشرت لاحقا في عام 2010 في جريدة الطليعة.

ولعلي هنا أشير إلى بعض ما حفظته الذاكرة، وما سطره قلمي في أوراقي مع “أبوأمل”، الذي لم أكن أعرفه شخصيا قبل ذلك الوقت، فكل علاقتي معه لا تتجاوز متابعة مقالاته، سواء في الشأن البحريني أو ندواته أو بعض من مقالات خاصة كتبها لمناسبات معينة يتحدَّث فيها عن العمل القومي والوحدوي الخليجي.

لقائي مع «أبوأمل» جاء على مرحلتين في مكتبه، الأولى عندما صحبني بعض الزملاء البحرينيين إليه، لأطرح عليه الفكرة، وعرضت عليه مسودة الدراسة، التي طلب أن أبقيها معه لقراءتها.. وبالفعل، تركتها معه لليوم التالي، 29 أغسطس 2005، حيث ذهبت إليه حاملا أوراقي وأسئلتي و«مسجلتي»، وكانت رهبة اللقاء تغلفني من كل صوب، والأفكار تتساقط كزخات المطر، لا أعلم كيف سيكون هذا اللقاء، وإلى أين سينتهي.

ذهبت في الموعد المحدد، ولم أتأخر لثانية واحدة، والمفاجأة الأولى كانت أنه قرأ مسودة الدراسة كاملة، وأبدى إعجابه بها، بل وأكد ضرورة توثيق كل مراحل العمل الوطني والقومي في منطقة الخليج العربي، وإعادة قراءة تاريخها من جديد.

المفاجأة الثانية، كانت استعداده الكامل لإجراء مقابلة وثائقية تاريخية تتناول مراحل تطوُّر العمل الوطني في البحرين.. فلم يعترض على سؤال، بل كان موسوعة تاريخية، حاولت بكل تركيز شديد أن أنهل منها ما يسد غروري ويشبع حاجاتي، فكان كتاباً مفتوحا بكل معنى الكلمة، فلم يمنع معلومة أو يغفل تاريخا، ولم يتنكر من أي موقف سياسي اتخذه، حيث كانت رؤيته بأن هذا التاريخ ملك للأمة ولأجيالها.

وعلى امتداد ساعات متواصلة من صباح ذلك اليوم، من الساعة التاسعة إلى الثانية عشرة، حيث توقفنا عند هذا الوقت، لارتباطه بموعد لاستكمال علاجه بأحد المراكز الصحية، وحينها قال لي إنه لم يكن يتوقع أن يكون هذا اللقاء بهذا العُمق من الأسئلة والمحاورة، فقلت له: يا «أبوأمل»، الفرصة لن تأتي مرتين، وهذا اللقاء تنتظره جموع شبابية ليست فقط من الكويت، بل من البحرين كذلك.

خرجت من لقائه، وطلب مني أن أحضر مرة أخرى مساءً، فكانت فرحة لا توصف أن يتجدد اللقاء مرة أخرى، وعدت أتذكر تفاصيل الساعات الثلاث، وما احتوته، وتساءلت بداخلي: ما الذي يمكن أن يضيفه «أبوأمل»؟ هل هناك معلومات أخرى يريد إضافتها؟.. وغيرها من الأسئلة التي بدأت تراودني.

في الموعد المحدد، الساعة السادسة مساء، وجدته منتظراً قدومي، فبادرني قائلا إنه بعد أن أنهى علاجه لم يذهب إلى البيت، بل عاد أدراجه مرة أخرى إلى مكتبه، وتفاجأت بإهداء خاص كان عبارة عن نسخ من وثائق الحركة القومية في الخليج العربي ونشرات حزبية، وإصدارات ومجلات، إضافة إلى CD فيه بعض البيانات ومحاضر الاجتماعات، وهنا كانت المفاجأة، الثالثة على الرغم من أنني طلبت منه بعض الوثائق، فإنه زاد «العيار» بشكل لم أتوقعه.

واختلف الحديث هذه المرة، فكان عن الواقع الخليجي والتحديات التي نواجهها كمجتمعات، وخصوصاً أن هذا اللقاء شهد حضور عدد من الزملاء والأصدقاء، فكان الهمُّ الخليجي المشترك.

وفي الساعة التاسعة مساءً، ودعت «أبوأمل»، وكان وداعا غريبا، ولكنه ليس بمستبعد من شخصية كهذه، عندما أمسك بيدي واحتضنني بقوة لم أعهدها، وكأن هناك رسالة أراد توصيلها، من عقله وقلبه، ليس لي وحدي، بقدر ما أحسست أنها موجهة للشباب، بأن يعوا التضحيات التي قدِّمت من الأجيال السابقة، وأن عليهم الاستمرار في أداء هذه الرسالة التي كان عنوانها «الحرية والديمقراطية».

مأزق طائفي واستبدادي

ولعل من الصعوبة نشر كل تفاصيل الحوار المثير والكبير الذي كان مع «أبوأمل»، ولكن في هذا اللقاء على الرغم من أنه كان موجها نحو استقراء تاريخي لمراحل الحركة القومية في البحرين، حيث شمل جوانب مهمة جدا في التاريخ النضالي للشعب البحريني والآمال التي رفعها، فإن النعيمي توقف أمام بعض الأمور.

فقد توقف عبدالرحمن النعيمي أمام أمر في غاية الأهمية، وهو ما يتمثل في الصراع بين الأطراف الوطنية والتقدمية، وهو ما يمثل خطورة على هذا التيار، وخصوصا عندما يتحوَّل إلى صراع شعبوي، بعيدا عن الأطر السياسية الصحيحة، وتجسَّد ذلك بشكل واضح في الصراع على الحركة العمالية في البحرين، بدلا من أن يستثمر النشاط العمالي بشكل سليم، والذي أثر بشكل مباشر على الحالتين العمالية والنقابية.

وقال في هذا السياق «إن أي تصوُّر للتيار الديمقراطي في البحرين يجب أن ينطلق من العمل الموحد، وفق برنامج وطني، آخذا في الاعتبار التصدي للمأزق الطائفي الذي تحاول بعض الأطراف تعزيزه والدفع به، فنحن لا نريد أي تقسيم للمجتمع، كما يحدث مثلاً في العراق (سُنة وشيعة وأكراد)».

حول انحسار المد القومي والوطني في المنطقة يقول النعيمي: «أصبح هناك شعور عام بأن الشعارات القومية غير قابلة للتحقيق، وانتشار الدولة القُطرية، حتى بات المفكرون والسياسيون جزءاً منها، وهو ما قضى على فكرة الدولة القومية الواحدة الممتدة، ولم يكن لدى الحركة القومية أي برنامج وحدوي، فعلى سبيل المثال عندما طرح صدام حسين برنامجه للتوحيد كان كارثة على المنطقة، حيث تصرَّف بعقلية قُطَّاع الطرق.. فما حدث ويحدث في المنطقة ما هو إلا نتيجة استبداد الأنظمة في المنطقة التي سحقت الناس والمجتمعات».

ويتساءل النعيمي في هذا الاتجاه: هل نستطيع خلق صيغة معينة للتعاون المشترك بين الدول، في ظل علاقات متكافئة وتبادل اقتصادي وتجاري؟ فالنموذج الذي يقدِّمه الاتحاد الأوروبي إلى الآن نحن عاجزون عنه، فالنظام السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي عاجز أن يتطوَّر، وأن يكتشف أنه بحاجة إلى التعاون بين أطرافه!

إذن، المطلوب هو انفتاح مشترك بين المؤسسات في كل المجالات في دول المنطقة، والاستفادة من كل التجارب، والتعلم من أخطاء الماضي، وهذا الأمر ينسحب أيضاً على القوى الوطنية والديمقراطية، فلماذا كل القوى الأخرى المعادية للتوجهات الديمقراطية متحدة ونحن على النقيض منهم؟

أما المعركة الأكبر، فيذهب بها النعيمي إلى أن السلطة لا تريد أن تعطي الحقوق كاملة للشعوب، فهي تريد ديمقراطية زائفة، مثل مجلس نصفه منتخب والنصف الآخر معين، وهنا يأتي دور التوعية، كأن تلعب الصحافة الوطنية كـ«الطليعة» دورها في هذا الاتجاه، وإقامة مؤتمرات سنوية، وهذا الدور يجب أن تلعبه «الطليعة».

ولم يُخفِ «أبوأمل» في حديثه تفاؤله الكبير، لقناعته بأن التيار الوطني في منطقة الخليج يمتلك إمكانيات كبيرة، فالقوى الاجتماعية المؤيدة له هي قوى عقلانية ومستعدة للدفاع عن برنامجه، وأن الدور القادم هو مناط بالقوى الشبابية في هذه المرحلة، لفرض التغيير الديمقراطي الحقيقي بشكل صحيح وسليم.

وجهات فكرية وسياسية

قبل عام من وفاة عبدالرحمن النعيمي، أصدرت جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) كتابا وثائقيا خاصا، رصدت فيه أهم الكتابات التي كتبها عبدالرحمن النعيمي خلال السنوات الطويلة من الكفاح، والذي من خلاله نستقرئ التوجهات الفكرية والعقائدية التي آمن بها الراحل.

فقد آمن «أبوأمل» في انطلاقة عمله السياسي بالكفاح المسلح وتحرير كامل تراب الخليج العربي من الاستعمار، بحثا عن الوحدة الإقليمية بين دوله، إلا أن ذلك لم يمنع تركيزه على المطالب الديمقراطية والحريات، إضافة إلى دعواته المتكررة لتوحيد صفوف القوى المعارضة، من وطنيين ويسار وقوميين وإسلاميين، لتحقيق المطالب الوطنية والديمقراطية.

ومع التحولات الكبيرة التي شهدها المعسكر الاشتراكي وسقوطه، وتصدر مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية، أخذ خطاب النعيمي ينحو نحو المطالب السلمية بالابتعاد عن المطالب الثورية، والتركيز على الشرعية الدستورية للأسرة الحاكمة مشروطة بالالتزام بالمطالب الديمقراطية والوطنية.

ومن هنا، طالب النعيمي بمشاركة شعبية في اتخاذ القرار عبر دستور تعاقدي وبرلمان كامل الصلاحيات والأهلية، وانتخابات حرة نزيهة، وديمقراطية حقيقية، وضمان الحريات العامة وتشكيل الأحزاب السياسية ومساواة المرأة مع الرجل، وهي الركائز من وجهة نظره التي تدعم الشرعية للأسرة الحاكمة.

أما خليجياً، فقد ظل مخلصا لأهمية الوحدة الخليجية ووحدة اليمن وتوحيد الاقتصاد والسياسة والأمن والجيش لبناء دولة خليجية ديمقراطية موحدة ومستقلة، تستطيع الاعتماد على نفسها بمشاركة الجماهير الشعبية.. لذلك كان يطالب في أوقات كثيرة بضرورة تلاقي القوى الديمقراطية والوطنية في الخليج العربي.

وعلى المستوى العربي، كانت الوحدة العربية من الثوابت الأساسية في فكره ومنهجه، ودعم الثورة الفلسطينية ومقاومة الكيان الصهيوني هدفا لم يتزحزح عنه.

وعلى الصعيد العالمي، استمر النعيمي في موقفه الثابت ضد الإمبريالية الأميركية، باعتبارها العدو الأكبر لشعوب العالم، كما استمر تضامنه مع قوى التحرر العالمية.

من «القوميين» إلى «وعد»

التحق الراحل عبدالرحمن النعيمي بالعمل السياسي، بانضمامه لحركة القوميين العرب عام 1961، وبعد التشرذم التنظيمي الذي عانته الحركة، كان أحد مؤسسي الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي، كما ساهم في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي عام 1971، ثم الجبهة الشعبية في البحرين التي أصبح الأمين العام لها عام 1974.
وفي عام 2001، قاد النعيمي عملية تأسيس أول جمعية وطنية في البحرين، تضم أطياف التيار القومي والوطني، ثم انتخب كأول رئيس لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) في أكتوبر 2001، وشغل منصب رئيس اللجنة المركزية للجمعية حتى 17 يونيو 2008.

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.