الحركة الطلابية الكويتية والتيارات السياسية

بقلم  د. عبد الله الجسمي:

منذ أن بدأ التعليم المدرسي يثبت أقدامه في المجتمع الكويتي، خصوصا في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت البوادر الأولى للحركة الطلابية الكويتية سواء داخل الكويت أو في التجمعات الطلابية التي كانت تدرس مراحل ما بعد التعليم الثانوي في الدول العربية والأجنبية، وبرز الكيان الطلابي الكويتي بشكله النقابي بالتدريج مع التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي خطتها الكويت بعد ظهور النفط وما ترتب على ذلك من انتشار لمظاهر الحياة المدنية المعاصرة التي يعد التعليم عصبا رئيسيا لها· وبلغت الحركة الطلابية الكويتية ذروتها في تلك المرحلة مع إنشاء جامعة الكويت في منتصف الستينات من القرن الماضي، فنهض الكيان النقابي الطلابي للدفاع عن مصالح قطاع الطلبة وحقوقهم ومكتسباتهم·

وللحركة الطلابية الكويتية دور مهم وفعال على المستويين المحلي والعربي عبر فترات مختلفة، وتفاوت هذا الدور حسب طبيعة وتوجهات قيادة الاتحاد الوطني وفعالية وتأثير القوى المنضوية تحت رايته، حتى ولو كانت خارج قيادته· وقد تفاعل الجسد الطلابي مع القضايا المحلية والعربية والعالمية عبر تاريخ الاتحاد ويبدو ذلك جليا في الادبيات التي صدرت عنه أو في المواقف التي اتخذتها قياداته المختلفة· وتاريخ الحركة الطلابية الكويتية حافل بالأحداث والتطورات كما هي حال المجتمع الكويتي، وقد تناولت أقلام عدة جوانب من هذا التاريخ عرضا وتحليلا وسلطت الأضواء على أهم مراحله· وهذه المقالة وقفة عند محاولة لتأريخ هذه الحركة، وهي عرض كتاب للمؤلف علي حسين العوضي بعنوان “رؤية للواقع الطلابي، الحركة الطلابية الكويتية والتيارات السياسية” الذي يقع في 123 صفحة من القطع الصغير (الحقوق محفوظة للمؤلف) وهو يقدم عرضا للحركة الطلابية منذ نشأتها وحتى نهاية التسعينات من القرن الماضي، ويضم خمسة فصول وخاتمة وقد تم تزويده بملاحق ووثائق تؤرخ لبعض الأحداث والمواقف التي كان للحركة الطلابية دور فاعل فيها· وسنحاول في هذا العرض الوقوف على أهم مضامينه ومن ثم نسجل بعض الملاحظات النقدية عليه·

يبدأ المؤلف الكتاب بمقدمه يشير فيها إلى أن كتابه جاء لوضع تاريخ الحركة الطلابية الكويتية في إطارها

المناسب، لأن هذا التاريخ كما يدعى، موزع على كتب ودراسات متعددة· وواجهت هذه المحاولة صعوبات من حيث توافر المعلومات لتبعثرها، وكذلك غياب الموضوعية في طرح تلك المعلومات، ويشير أيضا الى أن الهدف من الدراسة بيان العلاقة ما بين الساحة الطلابية والساحة السياسية· فالمجتمع الطلابي ما هو إلا إنعكاس للواقع السياسي في المجتمع الكويتي، فهناك علاقة متبادلة بين ما يحدث في المجتمع والساحة الطلابية الجامعية· وعلى هذا الأساس تقسم فصول الكتاب إلى مراحل مختلفة يأخذ بعضها منحى تاريخيا وبعضها الآخر منحى سياسيا·

في الفصل الأول المعنون بـ “مقدمة تاريخية” يشير المؤلف إلى أن البوادر الأولى للحركة الطلابية الكويتية ظهرت في الخارج عام 1941 في أعقاب البعثات التعليمية التي أرسلتها الكويت إلى البحرين (1940) والقاهرة (1945) وتأسيس بيت الكويت هناك، وبريطانيا (1950)· ومع بداية الستينات أخذت الحركة الطلابية الكويتية بالتبلور، وتصدت لعدد من الأحداث على المستوىين المحلي والعربي، كالتهديدات العراقية للكويت، وقد كان للتيار القومي آنذاك دورا كبيرا في تفعيل الحركة الطلابية وتشكيل الاتحاد الثانوي الذي كان فعالا في إثارة عدد من القضايا والمسيرات والإضرابات التي أدت إلى مصادمات مع السلطة· ووضع الاتحاد المحلي دستورا ينظمه كهيئة نقابية وأصدر نشرة”بعنوان النشرة”، وشارك في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني لطلبة الكويت في القاهرة· أما عن نشأة الاتحاد الوطني لطلبة الكويت فقد جاءت فكرة إنشائه كاتحاد يضم الطلبة الجامعيين الكويتيين منذ العام 1960، حيث بدأت الاتصالات ما بين رابطة الطلبة الكويتيين بالقاهرة ومثيلتها في المملكة المتحدة، وشكلت لجنة تحضيرية دعت إليها رابطة القاهرة عام 1963 ومهدت لإعداد دستور للإتحاد وتمت الدعوة للمؤتمر التأسسي في 24 ديسمبر عام 1964· وجاء في مقدمة الدستور “نحن طلبة الكويت الجامعيين إيمانا منا بالتنظيم النقابي ودوره الفعال من أجل إيجاد مستقبل أفضل لشعبنا وأمتنا ومن أجل الدفاع عن قضايا الإنسانية جمعاء، قررنا إنشاء الاتحاد الوطني لطلبة الكويت ليكون طليعة ومشعلا هاديا للمستقبل”·

ويشير المؤلف بعد ذلك إلى التيارات التي كان لها تأثير فعال على الساحة الطلابية الكويتية وعلى وجه الخصوص “الإخوان المسلمون” و”التيار القومي”· فقد كان الأول هو الأقوى في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، ومارس نشاطه من خلال جمعية الإرشاد والأنباء· إلا أنه تقلص بعد ثورة يوليو في مصر نتيجة لارتباط الشارع الكويتي بالشارع العربي الذي تحول إلى التيار القومي والتعلق بالرئيس جمال عبدالناصر كرمز· وقد تأسس نادي الاستقلال بقيادة الدكتور أحمد الخطيب والأستاذ جاسم القطامي كمركز للقوى القومية المحلية، وفيما بعد أسس الإخوان المسلمون جمعية الإصلاح عام 1963 لتكون مركزا لهم·

وتحت عنوان “التيار القومي والصراع الدائم” يستهل المؤلف الفصل الثاني بتقسيم تطور الحركة الطلابية إلى مراحل، فيحدد المرحلة الأولى ما بين عام 1964، 1969 كمرحلة لتأثير التيار القومي الذي كان سائدا بالمجتمع الكويتي بأنديته ونقاباته وفي مختلف قطاعاته· وفي العام 1969 أنشىء الاتحاد الوطني لطلبة الكويت – فرع الجامعة الذي كان له نشاط بارز على المستويين الطلابي والمحلي، فقد قاومت قيادة الاتحاد آنذاك محاولات إدارة الجامعة لإنشاء اتحاد بديل يخضع لسيطرتها من أجل تحجيم الحركة الطلابية، ونجحت بإلحاق الفشل بتلك المحاولات نتيجة لصلابة المواقف الطلابية وتمسكها باتحادها الشرعي المستقل· أما المرحلة الثانية فتمت من عام 1970 حتى عام 1979، وهي المرحلة التي حدثت خلالها التحولات الكبرى على الساحة العربية، والتي تلت هزيمة يونيو 1967، مثل انقسامات حركة القوميين العرب في الكويت إلى ثلاث فصائل، هي الحركة الثورية الشعبية و”حركة التقدميين الديمقراطيين” والتجمع الوطني· وانعكست هذه الانقسامات بدورها على الوضع الطلابي بالجامعة فانقسمت الحركة الطلابية القومية إلى تجمعات وقوائم متفرقة، مما أفسح المجال (في الكويت والبلدان العربية) للقوى الدينية، وخاصة الأخوان المسلمين الذين رتبوا صفوفهم ودخلوا المعترك السياسي بقوة مستغلين تلك الانقسامات في التيار المضاد·

ويعرض الكاتب لعدد من الأحداث في هذه المرحلة والتي ساهمت في ضعف التيار القومي والديمقراطي بالجامعة ومنها ندوة الاختلاط التي حشد لها التيار الديني أفرادا من خارج الجامعة لإفشالها، والانشقاقات التي حدثت في صفوف التيار الديمقراطي وحل البرلمان عام 1976 ورفض الاتحاد لهذا الحل من خلال أنشطة مختلفة، وتصديه بشجاعة لـ “لائحة السلوك الطلابي” عام 1977 وإيقاف تطبيقها· وفي ظل هذه الظروف صعد نجم قوائم الإخوان المسلمين في الحركة الطلابية بعد أن بدؤوا بخوض الإنتخابات للفروع الخارجية في القاهرة والإسكندرية ومن ثم فرع الكويت حتى تمكنت القائمة الائتلافية من السيطرة على فرع الاتحاد بعد تجميده عام 1978  من قبل إدارة الجامعة· وعند هذا المفترق دخلت الحركة الطلابية الكويتية مرحلة جديدة بقيادة وأطروحات تختلف جذريا عن قيادة وأطروحات المرحلة السابقة·

ويتحدث الكاتب في الفصل الثالث عن “انقلاب المفاهيم” بعد وصول التيار الديني الممثل بالقائمة الائتلافية إلى قيادة الاتحاد· ويقسم هذه الفترة المستمرة حتى الآن إلى مرحلتين الأولى تمتد من عام 1980 إلى 1989، أي ما قبل الغزو، فيشير إلى ان وصول هذا التيار إلى سدة قيادة الاتحاد هو نتيجة طبيعية لانشاره في المجتمع وتوزير رئيس جمعية الإصلاح في الحكومة، وكذلك الفرز الذي حدث بعد الثورة في إيران عام 1979· وبعد تسلمها قيادة الاتحاد شرعت القائمة الإئتلافية بتعديل دستور الإتحاد برمته في المؤتمر الثامن الذي دعت إليه عام 1981 (جدير بالذكر بأن الدعوة لعقد هذا المؤتمر تعد غير شرعية)· ثم دعت إلى إضراب طلابي في العام نفسه بعد إلغاء جزء من مقرر الثقافة الإسلامية يتحدث عن الإخوان المسلمين، وقامت (بالتنسيق مع الإدارة) بإقرار لائحة السلوك الطلابي التي رفضتها القيادة السابقة للإتحاد، في حين أن الموقف الذي اتخذته بعد حل مجلس الأمة عام 1986 لم يتجاوز في حقيقة الأمر إصدار البيانات وجمع التوقيعات من أجل عودة الحياة البرلمانية·

أما المرحلة الثانية فهي تمتد من عام 1990 وحتى 1999، وهي المرحلة التي حدث فيها الغزو والتحرير وما بعده، والتي أفرزت بعض المتغيرات على الساحة الطلابية· فمواقف التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من الغزو أثرت بلاشك على إخوان الكويت، إذ حدث تقدم للقوى المعارضة للإخوان في بداية التسعينات، ولمواجهة هذه التحولات ضيقت قيادة الإتحاد ا لخناق على القوى الطلابية المنافسة لها في المؤتمر الرابع عشر باتخاذ قرار يقضي بعدم إصدار نشرات طلابية للقوائم التي تخوض انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، ما عبر عن رؤية استبدادية ومصادرة للآراء الطلابية الأخرى· كما حاولت قيادة الاتحاد إشهار الاشهار بشكل قانوني إلا أن محاولاتها هذه باءت بالفشل· ووجهت تلك القيادة جهودها نحو دعم لتعديل المادة الثانية من الدستور، ووقفت مع قانون منع الاختلاط في الجامعة· ويختتم الفصل بالإشارة إلى دخول “القائمة المستقلة” كطرف قوي وجديد على الساحة الطلابية وهذا، برأي المؤلف، يعبر عن رفض الكثير من الطلبة الاهتمامات الإيديولوجية وبروز فكرة الاستقلالية عن أي قوى سياسية أو غيرها·

ويركز الفصل الرابع من الكتاب على القوائم الطلابية الجامعية التي تعكس تيارات سياسية موجودة في المجتمع والتي تمثل عددا من الاتجهات والشرائح الاجتماعية والسياسية وخاصة تلك القوائم التي تخوض الإنتخابات منذ العام 1979 ويحددها بالتالي:

– قائمة الاتحاد الإسلامي تأسست عام 1976 تحت إسم “أنصار الوحدة الطلابية” وهي تمثل الاتجاه السلفي، وتتبع جمعية إحياء التراث وقد حدثت فيها انشقاقات مؤخرا، تعكس طبيعة الانشقاقات التي حدثت في الحركة السلفية خارج الجامعة·

القائمة الائتلافية: تكونت من اتحاد ثلاث قوائم هي المعتدلة، والمستقلون والمتحدون في عام 1977 وهي تمثل جمعية الإصلاح الاجتماعي التي تعبر عن تيار الإخوان المسلمين في الكويت·

– قائمة الوسط الديمقراطي: تكونت من اتحاد قائمتي الوسط الطلابي والقائمة الطلابية الديمقراطية عام 1976، وهي تمثل التيار الوطني الديمقراطي وترفع شعارا ضد جميع أشكال التعصب والتمييز الاجتماعي والمذهبي وغيرهما·

– القائمة المستقلة: ظهرت بشكل منفرد عام 1985 بمرشح واحد وأخذت تشق طريقها بعد الغزو وبشكل كبير حتى أصبحت اليوم تنافس على قيادة الاتحاد· وتستقطب هذه القائمة الطلاب لأنها تحتوي على الطرح العربي والإسلامي والديمقراطي، أي أنها تقوم على خليط من المبادئ·

– قائمة الحرة – الإسلامية الحرة: تمثل التيار الشيعي بالجامعة وهي اتحاد بين قائمتين هما الحرة، والإسلامية الحرة· وتمثل كل منهما اتجاهات ومرجعيات معينة، وكان حضورها قويا أثناء الحرب العراقية الإيرانية· وبعد الغزو خف تأثيرها على الساحة الطلابية تدريجيا وأخذت العلاقات بين طرفيها تمر في مراحل مد وجزر·

وبعد ذلك تطرق الكاتب لعدد من القوائم الأخرى مثل الائتلاف الطلابي والهندسية والديمقراطية والتجمع الوطني الطلابي والتي خاضت كل منها الانتخابات على مستوى الروابط والجمعيات العلمية، وأخرى خاضت انتخابات الاتحاد والروابط العلمية مثل التحالف الطلابي والمسار الطلابي·

وفي الفصل الخامس يعرض المؤلف محاولات تحجيم الحركة الطلابية والتي بدأت منذ العام 1978 بتجميد الاتحاد نظرا لدوره الفعال في طرح وإثارة القضايا على المستويين المحلي والعربي· أما في التسعينات فقد تم حرمان أعضاء جمعية الهندسة والبترول من ممارسة العمل النقابي وكذلك مرشحي القائمة الحرة وغيرهم من التصويت· وتهدف هذه الظاهرة إلى أمرين: الأول عزل الطلبة عن التفاعل مع القضايا الاجتماعية والسياسية والثاني احتواء الحركة الطلابية الرافضة لسياسات وقرارات الجامعة· وليس الضغط على الاتحاد من خارجه هو علته الوحيدة، فثمة عوامل ذاتية داخل الجسد الطلابي تساهم في إضعافه منها انتشار الطرح الطائفي والقبلي لدى بعض القوائم، والخلافات الداخلية بين أعضائها، ووجود قسم من الطلبة يعتبر العمل الطلابي مجرد تسليه وإضاعة للوقت· ويلخص الكاتب نواحي الخلل في الحركة الطلابية الكويتية بالعناصر التالية: سيطرة تيار واحد على الاتحاد دون منافسة تذكر وتبعثر الجهود وعدم مواجهة القضايا بشكل تعاوني واللجوء في بعض الأحيان إلى أساليب القوة وانعدام الحوارات النباءة بين القوائم· وضعف مستوى القيادات الطلابية لدى جميع القوائم وعدم طرح القوى الطلابية وجهات نظرها بشكل سليم، وأخيرا القيود المفروضة على العمل الطلابي·

وتشير خاتمة الكتاب إلى أن للحركة الطلابية دورا فعالا ومهما على مستوى القضايا الوطنية والديمقراطية، وهذا ما يدفع بالقوى السياسية للعمل بين الأوساط الطلابية، فالاتحاد كان في يوم من الأيام ملجأ للدفاع عن تلك القضايا عندما كانت جمعيات النفع العام مقيدة· ويميز المؤلف في خاتمته بين فترتي التيار القومي والتيار الديني وأهم ما حدث فيهما· وينتهي الكتاب بملاحق يحتوي بعضها على بيانات وعرائض وغيرها·

لاشك أن أية محاولة للكتابة عن الحركة الطلابية وتاريخها تعد مساهمة في مجال كتب عنه القليل قياسا بتاريخه، لكن الكتابة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار عوامل كثيرة لعبت دورا مهما في مسيرة العمل الطلابي النقابي، والكتاب الذي عرضناه في هذه المقالة لا يعدو كونه دراسة صغيرة عن تاريخ ضخم ينضح بأحداث ومواقف وتطورات شهدها الجسد الطلابي طيلة نصف قرن من الزمان· فإشارة المؤلف إلى تبعثر تاريخ الحركة الطلابية ومحاولته وضع هذا التاريخ، “في إطاره المناسب” (ص9) لا تكفي لأن الإطار الذي انتظم فيه بحثه لم يكن إطارا مناسبا، فدراسته لتاريخ الحركة الطلابية غلبت عليها السطحية والانتقاد إلى التفاصيل الدقيقة، بل وأحيانا السمات العامة لبعض المراحل، كما غلبت عليها الانتقائية إذ يمكن لأي متابع لتاريخ الحركة الطلابية أن يدرك كيف ركز المؤلف على أحداث وأهمل أخرى، دون بيان الأسباب· ولعل غياب المنهجية هو السبب الذي جعل الكتاب مفتقرا إلى الترابط بين موضوعاته ومليئا بالكتابة السردية التقريرية لوقائع معينة· علاوة على ذلك فإن للقارئ الحق في التساؤل: ما الجديد الذي جاءت به هذه الدراسة؟! إذ لو رأينا نشرة “الذكرى العشرون” التي أصدرتها قائمة الوسط الديمقراطي والتي أشار إليها الكتاب في قائمة المصادر، سنجد أنها تحتوى على أهم محطات الأحداث والتطورات التي حدثت في الحركة الطلابية حتى إصدارها عام 1984· أما المعلومات والأحداث التي تلت ذلك فهي معروفة ومتوافرة في الصحافة وغيرها من الدراسات والأبحاث والكتب·

ومن بين العوالم المهمة التي أهملها الكاتب ولم يتطرق إليها على الإطلاق – ما ينم عن قصور في مادة الكتاب ومنهجيته – هو الدور الذي لعبته الاتحادات والروابط الطلابية العربية في الحركة الطلابية الكويتية، فقد كانت الساحة الطلابية الكويتية تعكس طبيعة الوضع العربي وقواه السياسية فهناك اتحادات وروابط تمثل عددا كبيرا من الدول العربية خصوصا دول بلاد الشام وبعض دول الخليج العربي· وقد لعبت هذه الأطراف دورا مهما ومساندا في دعم الاتحاد وقضاياه خاصة أثناء قيادة التيار الوطني الديمقراطي للاتحاد الوطني لطلبة الكويت في مجال إشاعة الوعي بالقضايا العربية والعالمية والمساندة الفعالة للقضايا الطلابية والمحلية· وقد تجمعت تلك القوى في إطار السكرتارية الدائمة للاتحادات والروابط الطلابية (تم تجميد هذه الهيئة من قبل إدارة الجامعة، أثناء تجميد الاتحاد عام 1978 وظلت مجمدة حتى الآن) ولابد من الإشارة إلى أن معظم هذه الاتحادات والروابط الطلابية لم يعد لها نشاط يذكر بسبب الغزو وما أفرزه من تغيير لنظام القبول في جامعة الكويت·

ومن بين الأمور المنهجية الأخرى التي غابت عن التحليل المؤثرات الخارجية التي برزت على الساحة الطلابية والمحلية بعد الغزو والتي باتت تختلف عن طبيعة المؤثرات الخارجية التي أثرت على مسيرة المجتمع الكويتي السياسية والثقافية قبله، فكما أشار الكاتب إلى تأثر المجتمع الكويتي ومن ثم الحركة الطلابية بمرحلتين لعبتا دورا مهما في الساحة السياسية العربية وهما مرحلتا المد القومي والمد الديني، فإنه أغفل الحديث عن المؤثرات العالمية التي أفرزتها أمواج العولمة والتي بدأت تفعل فعلها في المجتمع والحركة الطلابية الكويتية، لدرجة أننا نرى غالبية جيل الطلبة في التسعينات ليس لديه اهتمامات سياسية أو فكرية تذكر، بل اهتمامات تعكس جانبا من ثقافة العولمة الاستهلاكية، وهذا الأمر واضح للعيان لكل من عايش أو تابع النشاط الطلابي في الفترة السابقة على الغزو، علما أن هذا الأمر لا يقتصر على المجتمع الكويتي وحركته الطلابية بل ينسحب على معظم المجتمعات العربية·

ومن الملاحظات الأخرى على الكتاب ذات الطابع الفني ما أشار إليه الكاتب في الصفحة السادسة عشرة منه، عندما قال: “وتشير بعض المصادر إلى أن نشوء الحركة الطلابية المحلية”، إلا أنه لم يبين هذه المصادر، ولا يوجد هامش يدل على المصادر التي استقى منها هذه المعلومات· وفي عدد من المواقع نرى عدم وجود تسلسل تاريخي واضح للربط بين المراحل بدقة، فمثلا يتم الانتقال بعد مرحلة تأسيس الاتحاد إلى عنوان جديد هو “القوى السياسية من القوميين والإخوان المسلمين”، إضافة إلى وضع أحداث معينة بتواريخ لا تنتهي إلى المرحلة التاريخية التي يجري الحديث عنها، كأن يضع المجلس الوطني في المرحلة ما بين 1980 إلى 1989، علما أن قرار تأسيس المجلس الوطني وإجراء انتخاباته تم في العام 1990· وفي الفصل الرابع المخصص للقوائم الطلابية أفرد الكاتب عددا من القوائم الطلابية التي لا تخوض انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت ولا يعرف السبب الذي كان خلف ذكر هذه القوائم دون قوائم أخرى تخوض تلك الانتخابات· وبشكل عام فإن عدم التماسك والتقريرية والافتقار إلى المنهجية ووضوح الرؤية جعل من الكتاب محاولة عادية لا تقدم شيئا جديدا يذكر·

وفي الختام لابد من التذكير بأهمية التأريخ الموضوعي والمنهجي للحركة الطلابية الكويتية ومثل هذا العمل لا يستطيع فرد القيام به بل يحتاج جهدا جماعيا مشتركا، يحفظ تاريخ الحركة الطلابية من الضياع أو التشويه، ويقسم إلى مراحل واضحة ويتبع منهجية دقيقة في التحليل والتوثيق ويعرض من خلالها هذا التاريخ بشكله إن لم يكن الصحيح فالأقرب إلى الصحة·

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.