العمل الطلابي.. القاعدة الأساسية للعمل التطوعي والمدني

لقطة ارشيفية لندوة طلابية في جامعة الكويت في نهاية الستينات

لقطة ارشيفية لندوة طلابية في جامعة الكويت في نهاية الستينات

الحديث عن الحركة الطلابية له متعته ونكهته الخاصة، لأنه يفتح المجال للتطرُّق إلى جوانب متعددة، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو غيرهما، لارتباطها بأشكال مختلفة بهذه الحركة.

فالأوضاع السياسية تلقي بظلالها المباشرة على التوجهات الطلابية، وكذلك الأنماط والعلاقات الاجتماعية وتأثيرها في السلوك الانتخابي للطلاب.

أضف إلى ذلك ديناميكية الحركة الطلابية، وتغيراتها التي تطرأ عليها بين فترة وأخرى، واستمرارية الانتخابات وديمومتها، تجعل الجميع يراقب الحركات الطلابية في كل مكان في العالم.

واليوم، تحلُّ الذكرى الثامنة والأربعون لتأسيس الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، في الوقت الذي انخفض فيه أداء القطاع الطلابي، وانحسر في دائرة ضيِّقة، فلم يعدو اهتمام الطلاب في الوقت الراهن سوى بالعمل الانتخابي وكيفية حصد المراكز القيادية فقط، من دون الاهتمام بالقضايا الوطنية والمجتمعية على جميع الأصعدة، وحتى الاهتمام بالقضايا الطلابية والنقابية أخذ بالانخفاض تدريجيا.

لا تزال الحركة الطلابية الكويتية تفتقد إلى عمليات التأريخ بصورة واسعة ومستفيضة، وهذا الأمر يرجع – بتقديرنا – إلى عدد من العوامل، أهمها:

-1 عدم شمولية الدراسات التي تتناول الحركة الطلابية، واقتصارها على بعض الجوانب.

-2 افتقاد الحركة الطلابية لأرشيفها الخاص الذي يمكن الرجوع اليه.

-3 عدم قيام القيادات الطلابية في المراحل المختلفة من تاريخ الحركة الطلابية بتأريخ تجربتهم، إلا ما ندر، عبر لقاءات صحافية تتعلق بالإطار العام، وليس بالتفاصيل.

وعلى الرغم من ذلك، تبقى بعض المحاولات الحقيقية والجادة لملء الفراغ في المكتبة الطلابية من بعض القيادات النقابية السابقة، كما نشير إلى أن إصدارات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت بهذا الشأن لم تتعدَ ثلاثة كتب فقط، أولها الصادر عام 1969 بعنوان «الحركة الطلابية الكويتية في 20 عاما»، والثاني صدر عام 1990 وحمل عنوان «الحركة الطلابية الكويتية في ربع قرن»، أما الثالث، فصدر عام 1999 بعنوان «الحركة الطلابية الكويتية بين مبادرات التوفيق ومحاولات التحجيم»، وإن كان الأخير لا يقدِّم تاريخا بقدر ما يستعرض مواقف القوى الطلابية في بعض القضايا الطلابية.

كما لا ننسى في هذا السياق عددا من الدراسات المهمة، التي من أهمها ما قدمها الزميل إبراهيم المليفي قبل بضع سنوات في جريدة القبس، والتي رصدت بإيجاز أهم المنعطفات التاريخية للحركة الطلابية، إضافة إلى كتابنا الموسوم «رؤية للواقع الطلابي: الحركة الطلابية الكويتية والتيارات السياسية» الذي صدر عام 2000، ويبقى أيضا كتاب الأستاذة نورية السداني «الجماعات الضاغطة: القوى الطلابية الكويتية»، والذي يشكل مدخلا ضروريا لفهم طبيعة القوى الطلابية ومكوناتها السياسية والفكرية.

أما على صعيد القوائم الطلابية، فيبقى الدور الأبرز والأهم لقائمة الوسط الديمقراطي عندما أصدرت عامي 1984 و1985 نشرتين تحدثتا عن ارهاصات الحركة الطلابية وانطلاقتها.

مفهوم العمل الطلابي والنقابي

قبل الدخول في تفاصيل كثيرة ومنعطفات تاريخية مهمة في مسيرة الحركة الطلابية الكويتية، يجب علينا الوقوف أمام مفهوم محدد، وهو العمل الطلابي وأساسياته ومحدداته، وهو أمر في غاية الاهمية لفهم طبيعة هذا العمل.

فالعمل الطلابي، باختصار شديد، هو ذلك الجمع المكون للمجتمع الطلابي المتحرِّك في عمل منظم لتحقيق غايات وأهداف محددة تختص بمصالح وتطلعات هذه الفئة، وهو وفقا لهذه الرؤية يعد القاعدة الأساسية في العمل التطوعي والمدني.

ويهدف هذا العمل بصورة مباشرة إلى بناء الطالب، فكريا وعلميا، واعداد الكوادر المتخصصة والقيادات النقابية والسياسية.

كما يهدف أيضا إلى الدفاع عن المصالح الطلابية، من خلال تمثيل الطلبة وتبني آرائهم نحو تعديل السياسات التعليمية التي تمس هذا القطاع، وكذلك تقديم الخدمات الطلابية المختلفة والأنشطة الطلابية والاهتمام بالمجتمع الطلابي بجميع جوانبه، المادية والاجتماعية والعلمية وغيرها.

ويهتم العمل الطلابي بالمؤسسات التعليمية وتصحيح مساراتها، للارتقاء بمنهجها وخدماتها وتطوير مرافقها.

وللعمل الطلابي دور أكبر في تعزيز الانتماء الوطني ودعم الوحدة الوطنية، والدفاع عن قضايا الوطن، وترسيخ قيم الديمقراطية والحريات العامة، ومحاربة الفساد، ومساهماتها الفاعلة في معالجة الاختلالات والمشاكل التي يعانيها المجتمع، سواء السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتعزيز العلاقات بين مؤسسات المجتمع المدني.

وإضافة إلى ذلك، يهدف العمل الطلابي إلى تقوية العلاقات بين التجمُّعات الطلابية المختلفة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ودعم قضايا السلام وتوحيد جهود الحركة الطلابية العالمية وتبادل الخبرات وتوحيد المفاهيم والاستراتيجيات.

والذي يقرأ بتمعن الدستور الطلابي ولوائحه المنظمة، نجده لا يخرج عن هذا الاطار.

أما النقابة، فيمكن لنا تعريفها، بشكل مختصر، بأنها التقاء مجموعة من الأفراد تجمعهم مصالح وأهداف معينة ومحددة تسعى هذه النقابة إلى تحقيقها وإبرازها والدفاع عن مطالب منتسبيها.

ومن هنا يكون النقابي هو ذلك الفرد المنتمي لمنظمة أو هيئة له دور ومساهمة في حل مشاكل النقابة وأعضائها.

ويحكم هذه النقابة دستور ولوائح داخلية تحدد هويتها وأهدافها، إضافة إلى حقوق وواجبات أعضاؤها.

البدايات

إذا كانت هذه المقدِّمة ضرورية كمدخل رئيسي لاستقراء تاريخ الحركة الطلابية الكويتية والتحولات الجذرية التي حدثت بها، فإن الإشارة تبقى إلى أن العمل الطلابي المنظم بدأ مع بدايات التعليم المؤسسي في الكويت القائم على مدارس حديثة، بعدما كانت تعتمد على النمط القديم القائم على الكتاتيب البسيطة.

ففي عام 1912 أنشئت المدرسة المباركية، وتبعها بعد 10 سنوات تقريبا المدرسة الأحمدية، وفي العام 1923 افتتحت أول مكتبة أهلية في الكويت كرافد أساسي ومهم للتعليم، وهنا نلاحظ أن هذه المبادرات جاءت شعبية، ومن خلال مساهمات بعض التجار، إلى أن تأسست دائرة المعارف عام 1936، والتي معها تطور التعليم، سواء الداخلي، أو من خلال البعثات الخارجية، وهذه البعثات شهدت التحركات الطلابية الأولى التي شكلت النواة الأولى لحركة طلابية كويتية.

ففي عام 1941، برزت ملامح الحركة الطلابية النقابية الكويتية في البحرين عبر الشكاوى التي أرسلها الطلبة الكويتيون المبعوثون للدراسة هناك، إلا أن أول تنظيم طلابي انبثق في القاهرة عام 1945 تحت اشراف «بيت الكويت»، علما بأن البعثات الطلابية الكويتية نحو القاهرة بدأت منذ عام 1943، وفي عام 1950 تأسست رابطة الطلبة الكويتيين في بريطانيا، ومن ثم يمتد النشاط إلى بيروت والاسكندرية لتشكيل المنظمات الطلابية الكويتية عام 1964، وهو العام الذي شهد ولادة الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، وتحديدا في 24 ديسمبر منه.

وفي الكويت، شهد عام 1943 أول احتجاج طلابي، عندما أعلنت طالبات المدرسة القبلية عن إضراب، نتيجة رفض المسؤولين تعيين إحدى المدرسات، وفي عام 1945 أضرب طلاب المدرسة المباركية، بسبب تغيير المناهج الدراسية.

وإذا كانت هذه التحرُّكات في غالبيتها ذات طابع طلابي وتعليمي، فإن عام 1956 كان مغايرا عندما بات طلبة الكويت في مقدمة الصفوف الجماهيرية المنددة بالعدوان الثلاثي على مصر، وجاءت الاعوام التالية لتكون بداية العمل لتأسيس الاتحاد المحلي للطلبة الثانويين، ويبرز أول تكتل طلابي ضمن مدرسة الشويخ الثانوية عام 1957، نتيجة انتشار المد القومي، ما استدعى تدخل الحكومة وقمع هذا التكتل عام 1959.

بين القوميين والإخوان المسلمين

سيطر اتجاهان واضحان على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت منذ تأسيسه، الأول: الاتجاه القومي والوطني، والذي يعود الفضل اليه في تأسيس هذا الاتحاد، حيث قاده خلال الفترة من 1964 إلى 1978، وهو العام الذي جمدت فيه أنشطة اتحاد الطلبة داخل أسوار جامعة الكويت.

أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في تيار الاخوان المسلمين، والذي لايزال يقود هذه المؤسسة الطلابية بثبات منذ عام 1979.

وقد اختلفت اتجاهات الاتحاد الطلابي خلال الفترتين، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال القضايا التي تبناها كل اتجاه، والتحول الكبير الذي طرأ على منهجيته.

فبنظرة سريعة على دستور الاتحاد الصادر في المؤتمر التأسيسي والتعديلات التي طرأت عليه منذ المؤتمر الثامن عام 1981 يلحظ هذا الفرق بصورة جلية.

فالمادة 13 من دستور الاتحاد المعدل في المؤتمر الثالث عام 1968، على سبيل المثال، بشأن أهداف الاتحاد كمنظمة نقابية، أشارت إلى «كشف مخططات الصهيونية والاستعمار والرجعية الرامية إلى القضاء على عروبة الخليج وأهداف الأمة العربية في الحرية والاشتراكية والوحدة» وهذا البند ألغي من الدستور الحالي.

كما خلا الدستور الحالي للاتحاد عن أي إشارة واضحة للديمقراطية، بل وأقر وفق المادة السابعة منه بأن الاتحاد الوطني لطلبة الكويت هو منظمة إسلامية.

سيطرة الاتجاه القومي والوطني كانت طبيعية، في ظل انتشار المد القومي الكبير في المنطقة العربية في منتصف القرن الماضي، وانعكاسه على واقع الشعوب العربية الراغبة في التحرر والتخلص من الاستعمار، وهو الأمر الذي يفسر لنا المواقف التي تبنتها القيادات الطلابية حينها، فدافعت عن الديمقراطية وحريات الشعوب المضطهدة، ويمكن لأي متابع لمجلة الاتحاد في هذه الفترة ملاحظة هذه التوجهات بدقة، إضافة إلى البيانات السياسية والمشاركات الكبيرة في مؤتمرات الاتحادات الطلابية العالمية، ما أعطى ثقلا واضحا للاتحاد الوطني لطلبة الكويت في حقبته القومية والوطنية.

أما الاتجاه الآخر، ونقصد به الإخوان المسلمين، فالتحول في المواقف كان جذريا في تبني القضايا ذات الطابع الاسلامي، فحتى مجلة الاتحاد في الثمانينات أصبحت أقرب إلى مجلة المجتمع التي تصدرها جمعية الإصلاح الاجتماعي، إلى أن تقلص دورها في التوعية الطلابية، إن لم نقل انتهى.

القوائم الطلابية

لم تكن في بدايات الحركة الطلابية قوائم طلابية على النمط الحالي، بل كان الترشح يتم بشكل فردي، إلا أنه مع النصف الأول من السبعينات من القرن الماضي بدأت تتشكل القوائم الطلابية وتطرح أفكارها وبرامجها، وهذا تطور عملي مهم في الحركة الطلابية الكويتية، أسهم في خلق حالة من المنافسة الطلابية البرامجية، تبعها مباشرة ارتفاع مستوى الطرح النقابي والسياسي، فأفرز تبعا لذلك قيادات أخذت دورها في المجتمع الكويتي.

وظهرت قائمة الوسط الطلابي، والديمقراطية، والمعتدلة، والحرة، ومن ثم في العام 1974 قائمة الوسط الديمقراطي، بعد اندماج قائمتي الوسط الطلابي والديمقراطية، وفي عام 1977 ظهرت قائمة الائتلافية إلى الوجود، ومن ثم قوائم طلابية أخرى بعضها استمر إلى اليوم، والبعض الآخر انتهى ولم يعد يذكر منه إلا تاريخه كالقائمة القومية (1986)، والتحالف الطلابي (1992)، والمسار الطلابي (1995) وغيرهم.

الصراع السياسي والاجتماعي

مخطئ من يعتقد أن الحركة الطلابية وقواها الفاعلة بعيدة عن أي طرح سياسي أو أيديولوجي، فالمواقف الطلابية السياسية تنطلق من بُعد سياسي وعقائدي، وحتى المنافسة على المراكز القيادية تنطلق من هذا البُعد، فالقضايا الطلابية تكاد يكون متفقا عليها بنسبة كبيرة، ولا توجد اختلافات حقيقية عليها.

ولذلك تعطي جميع التيارات السياسية أهمية قصوى للانتخابات الطلابية ومؤشراتها، لأنها مقياس لمدى تقبل المجتمع والشارع لها.

وحتى الصراع السياسي من الممكن أن ينتقل لهذا القطاع، مثلما حدث بعد انقسام حركة القوميين العرب وتفرع ثلاثة تنظيمات سياسية منها، انعكس هذا الصراع على القطاع الطلابي، حيث تشكلت قائمتا الديمقراطية والوسط الطلابي، وكذلك ما حدث في التيار السلفي في منتصف التسعينات من القرن الماضي وانعكاسه على قائمة الاتحاد الإسلامي في كلية الشريعة، عندما خاضت قائمتان انتخابات الجمعية الطلابية، إضافة إلى الانقسامات الحادة في القوائم التي تمثل الطلبة الشيعة، والتي كان أبرزها عام 1996 عندما ظهرت إلى الوجود قائمة الاسلامية.

ونضيف إلى ذلك، الصراع الاجتماعي الذي بدأ يحتدم بين بعض القوائم الطلابية التي ركنت إلى الاعتبارات القبلية لتزكية بعض مرشحيها، بل والإعلان عنهم رسميا بأنهم مرشحو قبيلة معينة، ما أوجد صراعا اجتماعيا مرفوضا في السلوك الطلابي.

تقييم الحركة الطلابية

هناك خلل واضح وضعف كبير في الحركة الطلابية، ونستطيع استقراء ذلك من خلال المؤشرات التالية:

1 – استمرار سيطرة تيار واحد، ولفترة طويلة، على اتحاد الطلبة أوجد قطاعا طلابيا سلبيا يرفض المشاركة في العملية الانتخابية، لقناعتهم بعدم القدرة على التغيير الجذري الحقيقي للمراكز القيادية في الاتحاد.

2 – عدم قدرة الحركة الطلابية على توحيد طاقاتها تجاه قضية معينة، وإن حدث ذلك، فإن الكل يريد استغلاله لمصلحته.

3 – انخفاض الوعي النقابي وعدم وجود فهم وإدراك لأهمية الحركة الطلابية، واقتصار مفهوم العمل الطلابي على الانتخابات الطلابية فقط.

4 – انتشار ظاهرة العنف الطلابي، واختفاء الحوار الطلابي الفعال.

5 – القيادات الطلابية في المرحلة الحالية تفتقد لصفات القائد.

6 – انتشار الطرح القبلي والطائفي وهو المقتل الحقيقي للحركة الطلابية.

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.