التيار الوطني الديمقراطي.. ومتطلبات المرحلة الراهنة

دائماً في كل أزمة سياسية تمر بها الكويت تتعالى الأصوات بحثاً، عن التيار الوطني الديمقراطي وعن طروحاته ومواقفه، وهذا ما يؤكد أن هذا التيار لا يزال يحتفظ برصيد تأييد شعبي منتشر بشكل واسع.

إلا أن الملاحظ أن التيار الوطني، بفصائله وتنظيماته – نتيحة لظروف ومسببات موضوعية – ابتعد عن هموم الشارع الكويتي، الذي استطاعت قوى وتكتلات أخرى الوصول اليه والتلاعب بقضاياه وتوجيهها نحو مكاسب تصب في مصلحتها، وليس في مصلحة مكونات المجتمع. وعلى الرغم من ارتفاع سخونة الأجواء السياسية بعد تداعيات حكم المحكمة الدستورية الأخير.

فإن إعادة فتح ملف القوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية التي ابتعدت عن الساحة السياسية وانكفأت على نفسها تحاول الخروج من مأزقها الذي وقعت فيه، نتيجة لاعتبارات معينة، أهمها الضعف الداخلي وفشل اتصالها الجماهيري مع القطاعات الشعبية والناس، ما أفقدها حضورها الذي كانت تتميز به في سنوات سابقة.
ونقول أيضاً إن محاولة البحث عن البرنامج أو الأجندة الوطنية هي استحقاق ذاتي مهم في هذه المرحلة، حتى تتمكن هذه القوى من الالتئام مجدداً. والذي يراقب مسار هذه القوى يجدها تحديداً أنها إما منشغلة بخلافات و«عُقد» شخصية، أو أن البعض ابتعد لمصالح معينة، أو من أغلق على نفسه الباب، أو من يلتمس طريقه بهدوء وروية من دون ضجة أو افتعال.

والمشكلة الأعظم التي تعانيها هذه القوى هي رفضها التام لأي محاولات من شأنها تصحيح التوجه، وترفض أيضاً عمليات الانتقاد، حتى وإن كانت في مصلحتها، فلا يزال البعض يعتقد أنه يسير في الطريق السليم، وعلى الجميع اللحاق به.

البعض يتحسر على كثرة التنظيمات الوطنية والديمقراطية والتقدمية على الساحة الكويتية، ويعتبر أن هذا الأمر معيق لانتشار التيار الوطني، وهذه رؤية ظاهرياً قد تكون صحيحة، ولكن علينا الأخذ بعين الاعتبار التنوع الفكري والأيديولوجي بما يسمح بتبادلها، وفتح الباب لمناقشات أوسع حولها، ما يعطي ديناميكية حقيقية لهذه التنظيمات.
ونفهم أيضاً أن هذه الحسرات تنطلق من أمل أن تتوحد كل هذه التفرعات ضمن كيان تنظيمي مؤطرة أهدافه وواضحة، واستراتيجياته معلومة وبرنامجه محدد.
وقبل كل هذا وذاك، علينا الاقرار بأن كل القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية تتفق على أمر أساسي، يتمثل في تمسكها المعلن بدستور 1962، وما يوفره من ضمانات وحقوق وواجبات.

لعل هذه المقدمة ضرورية لأن تشكل مدخلاً نحو الوصول الى صيغة تعيد للتيار الوطني ملامحه المفقودة.

البداية السليمة للمعضلة الوطنية تبدأ أولاً بحوار وطني مفتوح لجميع الأطراف من دون قيد أو شرط، لا أن تختزل لفئات معينة ولمصلحة توجه معين أو أن تكون انتخابية.
ومنطلقات الحوار يجب أن تكون حول إزالة مسببات الخلاف بين الأطراف، والبحث عن النقاط المشتركة للعمل الوطني من دون الدخول في التناقضات التي من شأنها إعاقة وعرقلة مثل هذا العمل، نحو الخروج والوصول الى برنامج العمل الوطني الذي تتفق عليه كل الأطراف المشاركة، لا أن يفرض عليهم. المدخل الثاني في وحدة العمل الوطني يتمثل في قراءة صحيحة للعمل الجبهوي والتحالفي بين هذه الأطراف، وهذا الأمر لن يتحقق إلا في حالة واحدة فقط، وهي التسليم بأن التحالف الوطني الديمقراطي هو حزب وطني قائم بذاته، وليس مظلة وطنية على كل القوى الوطنية والتقدمية العيش داخل عباءتها.

لن ندخل هنا في تفاصيل وطريقة إنشاء التحالف الوطني، فهذا بحث يستغرق ويستنزف وقتاً طويلاً، وقد يكون غير مجد في المرحلة الراهنة، بقدر ما يهمنا هو الحديث عن الواقع، بكل سلبياته وايجابياته.

ومن هنا، فإن المحاولة لخلق جبهة عمل وطنية واضحة الأسس والأهداف هي المدخل الثاني نحو عودة التيار الوطني، وهذه الجبهة مهمتها الأساسية التنسيق بين كل المشاركين، وليس فرض توجهات عليهم، كما يحدث الآن في حالة التحالف الوطني الديمقراطي، كما أن على الجبهة المشتركة الدفاع عن البرنامج الوطني المشترك لكل هذه القوى وليس عن برنامج محدد ومفروض، كما هي حالة التحالف الوطني أيضاً. هذان مدخلان نراهما ضرورة في المرحلة الراهنة بين أطراف القوى الوطنية والتقدمية، ومن الممكن أن يشكلا انطلاقة جديدة لهذا التيار.

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.