لعبة «الدوائر» الحكومية

كان لافتاً خلال الأيام الماضية التقاء الكتل النيابية الرئيسة على عدد من النقاط والأولويات المهمة التي رأت فيها هذه الكتل أنها تمثل مدخلاً ضرورياً نحو تطوير النظام الديمقراطي الدستوري وتفعيل عناصر التنمية ومكوناتها والحد من مظاهر الفساد. هذه الرؤى خرجت على شكل بيانات، بعضها حمل مانشيتات عريضة، والآخر أسهب في عرض قوانين وتفصيلات عديدة. وقد برز في هذا الاتجاه بيان كتلة الأغلبية النيابية، المبطلة عضويتهم لمجلس 2012، وكذلك بيان كتلة العمل الوطني.

والملاحظ أيضاً أن عدداً من أعضاء كتلة الأغلبية توقفوا أمام عدد من الأمور، وأعلنوا مراجعة شاملة لموقفهم تجاهها، أهمها مسألة الإمارة الدستورية وإشهار الهيئات السياسية.

وبغض النظر عن موقفنا تجاه هذين البيانين، سواء بالإيجاب أو السلب، فإننا في النهاية أمام برنامج يفتح المجال لآفاق حوارات متبادلة بين كل الأطراف السياسية، ولكن هذه المرة يجب أن تكون بعيداً عن معادلات الربح والخسارة، التي دائماً ما تغلف حوارات الكتل النيابية، وخصوصاً تكتل الأغلبية، الذي لدى غالبية أعضائه رغبة واضحة للترشح للانتخابات القادمة المنتظرة.

بيان المنبر والتقدمي

ومن الواضح الآن أنه مع التسريبات الحكومية، التي تأتي بين الفينة والأخرى، أن اللعبة الانتخابية ستكون حول مسألة كيفية إيجاد الوسيلة الرائجة نحو تعديل الدوائر الانتخابية، بما يسمح بتحقيق نتائج إيجابية لمصلحة الحكومة.. وفي المقابل، فإن أي محاولة في هذا الاتجاه ستولد ردة فعل قد تكون عنيفة، ويرتفع من خلالها سقف المطالب.

ويأتي في هذا الإطار البيان الصادر من المنبر الديمقراطي الذي طالب بتحصين قانون الانتخابات من أي طعن إذا ما تمَّت، وهو ما يتطلب قراراً واضحاً وجريئاً من المحكمة الدستورية ينهي فصول هذه القضية.

في حين أكد بيان صادر عن التيار التقدمي، أن عبث السلطة بالنظام الانتخابي وآلية التصويت يهدفان بصورة مباشرة إلى تفصيل الوضع الانتخابي وفق مقاييسها وحساباتها الخاصة، نحو التحكم في مخرجاتها، واستعادة السيطرة على المجلس القادم.

مال سياسي

فلا يكفي مثلاً، بحسب دراسة حكومية نشرت بجريدة الأنباء يوم الأحد الماضي (2012/7/22)، إعادة توزيع بعض المناطق على الدوائر، حتى تكون نسب الناخبين متوازنة مع حق الناخب في التصويت لمرشح واحد، ما سيساهم في عودة المال السياسي بقوة، ليكون حاضراً ولاعباً لدوره، وإن لم يكن قد اختفى في السنوات الأخيرة، ولكنه بلا شك سيعود من خلال هذه المقترحات.

ولعل خطورة الوضع هنا تأتي ضمن سياق وصراع اللعبة السياسية، التي تحاول السلطة فرض ملامحها للانتخابات القادمة. فبدلاً من البرامج التنموية الحقيقية التي ينتظرها المواطن العادي، فإن لعبة الدوائر الانتخابية ستكون هي برنامج المرحلة القادمة، والدخول في دوامتها سينعكس لاحقاً على مخرجات العملية الانتخابية، وستكون معركة المجلس القادم الدخول في صراع تطوير النظام الانتخابي وآلياته، ما يعني استمرار مسلسل الأزمات السياسية المتوالية، وهذا يعني الابتعاد الكامل عن معالجة ملفات عالقة لم تنجز، أهمها الفساد والتنمية والإصلاح السياسي الشامل، وهو ما انجرفت وراءه تماماً الكتل السياسية والمجموعات السياسية والعديد من النواب.

هذا الأمر يستدعي الآن، بصورة فورية وسريعة، التقاء كل المجموعات والكتل السياسية والنيابية نحو نقطة واحدة قبل الشروع في أي إجراءات أخرى، وتوصيل رسالة تؤكد بوضوح أن أي عبث في النظام الانتخابي وآلياته في هذا التوقيت سيواجه بصورة جماعية مشتركة، حتى وإن كانت هناك مثالب قانونية ودستورية على القانون الانتخابي وتقسيماته، لأن مصلحة البلاد لا تتطلب أزمة أخرى لا تعرف نتائجها وأين ستصل بنا؟ كما أن أي تعديل يجب أن يكون من خلال مجلس الأمة وإرادة الأمة باختياراتها، فالدوائر الخمس الحالية ومعركتها خلقها الشباب الكويتي بكل أطيافه ومكوناته، سعياً للقضاء على عيوب النظام السابق، وجاء مجلس 2006 ليجسِّد هذا الانتصار، عندما أقر قانون الدوائر الخمس، على الرغم من كونه مشروعاً حكومياً في أساسه.

هذا الأمر يتطلب سرعة في اتخاذ القرار، وأي تأخر في إنجازه سيعيدنا إلى نقطة الصفر والبداية، إن لم يكن أقل منها بدرجات.

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.