جناحا الرأسمالية: الرفاهية والدمار!!

استوقفني قبل أيام قلائل كتاب مترجم مثير صادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب حمل اسم «انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود»، والذي يتناول في ثنايا صفحاته أزمة الرأسمالية بشكل موسع وتداعياته على الاقتصاد العالمي والاقتصاديات الناشئة. حيث شرح مؤلفه، وهو الصحفي الاقتصادي «أولريش شيفر» العوامل التي قادت العالم إلى كارثة مالية، مبينا أيضا المطلوب اتخاذه لوقف هذا الانهيار ورسم صورة للمخاطر التي تحيط بنا.

على العموم، لن نتناول هذا الكتاب بالتفصيل، فهذا الأمر يحتاج إلى مساحات اكبر قد لا تتوافر في مقالي هذا، ولكنني سأستعرض في هذا الاتجاه ما تناوله الكاتب في فصله الأول والذي جاء بعنوان «الرأسمالية قاب قوسين من الهاوية»، حيث يذهب «شيفر» إلى القول بأنه في خريف عام 2008 انهار سوق المال العالمي من خلال الهزات العنيفة التي ضربت البورصات العالمية حينها وانقلبت المفاهيم الرأسمالية التي كان يتغنّى بها منظروها، ما أدى إلى ضياع الملايين من فرص العمل للملايين من الأفراد.

وحدد «شيفر» ان جذور اكبر أزمة اقتصادية يشهدها العالم تكمن في قلب الرأسمالية وتحديدا في أسواق المال.

فعندما تعهد الرأسماليون بتحقيق «الرفاهية للجميع»، أصبح الوضع الآن مغايرا تماما، واحدث ذلك نوعا من فقدان الثقة داخل المجتمع فـ «ما عاد كثير من المواطنين يصدقون تحقق الرفاهية التي وعدتهم بها فئات معينة من الاقتصاديين والسياسيين ورجال الأعمال ومجموعات الضغط التي همّها الأول الدفاع عن مصالح فئات معينة» حتى أضحى المواطنون يتحفظون على الإطار والشكل المناسب لاقتصاد السوق وعن الديمقراطية أيضا، ما أدى إلى الابتعاد عن المشاركة السياسية واعتزال المجتمع، حيث أصبحت لديهم قناعة بأنهم باتوا وحيدين، وبدأ الشعور لديهم يذهب بان الدولة تصب اهتماماتها لفئات معينة.

ويشير الكاتب في هذا الفصل إلى فترة ازدهار الرأسمالية وما حققته وفق نموذج «رأسمالي مروّض» تتكفل فيه الدولة بالرعاية الاجتماعية وتأمين متطلبات العيش للجميع، وكذلك تحدد دولة القانون القواعد اللازمة والمتحكمة في عمل الاقتصاد.

ولكن هذا النموذج انتهى واستبدل بنموذج آخر أملته المشاريع العملاقة وأسواق المال، وهو نموذج «اقتصاد السوق المحررة من القيود»، والذي جاء عندما تخلّت الدولة ومعها السياسيون المنتخبون، وفق القواعد الديمقراطية، عن أدوارهم في الاقتصاد، وتركوا هذا الأمر لـ «حفنة لا تتمتع بأي شرعية ديمقراطية» تدير وتهيمن على الاقتصاد الوطني لتوجهه نحوها، حيث أطلقت الرأسمالية جناحيها المعظمة للرفاهية من ناحية والمدمرة لوحدة المجتمع من ناحية أخرى.

ولا يتوقف الكاتب عند هذا الحد، بل يقول «لا يمر يوم من غير ان نلمس التناقضات التي ينطوي عليها اقتصاد السوق المحررة من القيود، إننا نشهد عن كثب كيف تولد الرأسمالية المحررة من القيود فائزين ومنتصرين، وكيف تجازي بلا حساب وتعاقب بلا رحمة، وكيف تؤدي إلى تزايد هوة التفاوت بين الفقراء والأغنياء اتساعا، فما من أحد يشك في أن الهوة الفاصلة بين شرائح المجتمع المختلفة قد أخذت تزداد اتساعا».

ويحدد «شيفر» عددا من الملامح حول هذه الفجوة داخل المجتمعات من خلال:

·     التفاوت الواضح في توزيع الدخول، حيث ترتفع أجور العمال ورواتب المستخدمين العاديين بصورة بطيئة، مقابل الارتفاع الكبير في دخول الشريحة العليا بنحو سريع.

·     وكذلك التفاوت في توزيع الثروات، حيث تتركز الثروة بيد شريحة اجتماعية معينة وضئيلة العدد، في حين أن المعدمين والمحرومين لا شيء لديهم سوى المعونات التي تقدمها لهم الحكومة.

·     التفاوت في توزيع فرص التعليم، فالشخص الذي لديه الإمكانيات المناسبة يرسل أبناءه في اغلب الأحيان إلى مؤسسات التعليم الخاصة وليس للقطاع التعليمي الحكومي، إضافة إلى إن الخيارات المتاحة له اكبر ومتزايدة باستمرار، بعكس الآخرين الذين ليست لديهم القدرة على تحمّل مثل هذه الالتزامات المالية، حيث يجبرون على إرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية الممتلئة بالطلبة والمتهالكة أبنيتها والتي يتولّى فيها التدريس معلمون تراجعت رغبتهم في العطاء، فالدولة تبخل في إنفاق المال على أهم مورد مستقبلي لتعليم مواطنيها.

ولكن، ما البديل المناسب لاقتصاديات السوق المحررة من القيود؟ وما الأساليب المناسبة لترويض الرأسمالية والانتفاع بها؟ وما القواعد الضرورية اللازمة لازدهار الاقتصاد والديمقراطية؟ أسئلة طرحها «اولريش شيفر» ويبحث عن إجاباتها في كتابه.

**********

في زحمة العمل للانتهاء من العدد الجديد ووضع اللمسات الأخيرة له، وعلى الرغم من الأحداث التي مرت على الوضع السياسي الكويتي خلال الشهر الماضي والتي من أبرزها التعديلات التي أعدتها وزارة الإعلام حول قانون المطبوعات والصحافة «المرئي والمسموع» والذي فيه تجاوز صريح على حرية الرأي وتقييدها بصورة كبيرة تحد من فاعليتها، والتي على أثرها تصبح صحافتنا بلا لون ولا طعم، وهي التي كانت دائما في الريادة وأصبحت المثل الذي يحتذى به من قِبل العديد من المؤسسات الإعلامية خارج الكويت.

المشكلة الرئيسة تكمن في أن البعض يريد أن «يفصّل» الديمقراطية على مقاسه الخاص، ينهل ويأخذ منها ما يشاء، حسب أهوائه واحتياجاته، حتى إذا فاضت وزادت يبدأ من جديد ويقلصها حتى تنعدم وتذهب إلى غير رجعة.

فكم عانينا سابقا من التجاوزات التي ترتكب باسم الديمقراطية والحريات بهدف القضاء عليهما، ولكننا  نؤكد إننا لن نتنازل عن حقوقنا التي كفلها لنا دستورنا، والتي من أهمها حرية الرأي، وسندافع عنها في سبيل تطويرها المزيد من الحريات.

مجلة أبواب – العدد 71 – فبراير 2010

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.