خصخصة العمل الوطني .. التحالف الوطني الديمقراطي نموذجا

اتحالف الوطني الديمقراطي

الخصخصة بمفهومها البسيط، والذي أدركه وأفهمه، تحويل ما هو عام إلى ملكيات خاصة لأفراد معينين أو فئات، وما هو عام قد يكون منشآت أو أموال أو هيئات وغيرها من الأمور، على أن تتولى الفئة الجديدة التي امتلكت (ما هو عام) إدارة شؤونه وفق استراتيجياتها لتحقيق أكبر قدر من المنفعة والاستحواذ على الحصيلة الأعلى من الأرباح.

والعمل الوطني بالمفهوم الذي أدركه أيضا، هو ساحة مفتوحة لكل القطاعات الوطنية لطرح آرائها وبرامجها نحو الوصول الى الوضع الأمثل وفق آليات معينة تستهدف بشكل مباشر فئات المجتمع حتى تتوحد الرؤى تجاه القضايا الوطنية الأساسية.

هذا الذي أدركه وأتبناه وأتمنى أن يكون فهمي لذلك في إطاره الصحيح.

ففي عام 2003 تقرر تأسيس التحالف الوطني الديمقراطي وفق آلية خاصة، دُعيت من خلالها العناصر الوطنية المختلفة لحضور الاجتماع التأسيسي، وكان اللافت الحضور الشبابي المميز الذي تم اختياره بعناية فائقة، وكان طاغيا وبشكل كبير.

ووقتها استبشرت الرموز الوطنية واستشعرت بالراحة بأن هناك فئة من الممكن أن تقود العمل الوطني الديمقراطي بروح متجددة وعطاء لا محدود.

ولكن ما حدث في المؤتمر التأسيسي أعطى انطباعا معينا، وخلق هاجسا تولد عند البعض أن هذه التجربة الوليدة من الممكن أن تنحرف عن مسارها المرسوم.

حقيقة، لا أريد أن أفتح ملفات قديمة خاصة بالتحالف، ولكننا اليوم سنتحدث عن مشكلة ومعضلة رئيسية حول العمل الوطني.

فالعمل الوطني ليس مقصورا ومحددا على فئات وشخصيات معينة وصفت نفسها بأنها التيار الوطني الديمقراطي، وأهملت بذلك بقية الفئات الوطنية المخلصة، بحجة أن الفئة الأخرى لا تتوافق معها، وبعبارة أخرى وأدق لا تتوافق مع «مزاجها» الخاص!! ولا تمانع في سبيل الدفاع عن رؤيتها الخاصة بالإطاحة بأي مرشح وطني ديمقراطي.

فوفق رؤاها التي تبلورت مع الوقت تحول العمل في التيار الوطني الديمقراطي من عمل جماعي تُحتضن من خلاله جميع الأطياف الوطنية، الى عمل اختزل في فئة معينة، وعزلت فئة أخرى وكأن التيار الوطني أصبح ملكا لهذه الفئة، وهذه الحقيقة التي يتهرب منها أنصار التحالف الوطني الديمقراطي، إضافة الى محاولاتهم الدائمة والمستمرة لتفتيت أي توجه وطني.

لأتوقف هنا قليلا، وتحديدا أمام المقابلة التي أجرتها جريدة النهار مع الأمين العام المساعد للتحالف الوطني والتي نشرت بتاريخ 17 مارس الماضي، ونلتقط منها بعض العبارات التي أطلقها والتي بلا شك تعبر عن توجه التحالف الوطني الديمقراطي الذي «ضيع مشيته».

ففي الوقت الذي كانت فيه أطراف الحركة الوطنية الديمقراطية المتناثرة تبحث عن التنسيق المباشر في الانتخابات البرلمانية الماضية، فإن الأمين العام المساعد يؤكد بوضوح تام أن هنالك أطرافا معينة في التحالف عملت بشكل مباشر وواضح ضد د. محمد العبدالجادر في الانتخابات البرلمانية، ثم أردف في موضع آخر من المقابلة أن «كرسي البرلمان أكبر من العبد الجادر»، ولا أعلم حقيقة كيف استنتج هذه النتيجة، وخاصة أن العبد الجادر كان على قائمة التحالف الوطني الديمقراطي في انتخابات 2008 ونجح من خلال هذه القائمة ومارس دوره بكل فعالية.

ثم واصل القول ان علاقتهم مع المنبر الديمقراطي جيدة، ويا ليته تطرق في حواره الى الرسالة التي أرسلها المنبر الديمقراطي للتحالف والتي تؤكد بوضوح تدخل بعض أعضاء التحالف في التأثير المباشر على الأوضاع الانتخابية لمرشحي المنبر في الدائرة الثانية في انتخابات 2009، فهل هذه هي العلاقة الجيدة التي تحدث عنها؟!

ولم يتوقف الأمين العام المساعد عند ذلك، بل ذهب الى القول ان عمر التحالف الوطني يقارب المائة عام وهو أول تيار في الكويت!! ولا أدري من أين استقى هذه المعلومة، ولكن من الواضح أنه يريد أن يصل لنتيجة مفادها أن التحالف هو الامتداد والوريث لتاريخ الحركة الوطنية الكويتية.

لن نقتطف المزيد من كلام الأمين العام المساعد، فقد تبين لنا أن التحالف الوطني الديمقراطي من خلال قياداته وأعضائه أصبح هدفهم الأسمى والأوحد أن «يطبقوا» على الحركة الوطنية في الكويت ويصبغوها بصبغتهم وأطروحاتهم الخاصة التي هي بعيدة كل البعد عما ورد في الوثيقة الأساسية للتحالف الوطني الديمقراطي.

نعم، لقد تحول العمل الوطني الديمقراطي بفضل القائمين على التحالف الوطني الديمقراطي من عمل جماعي عام الى عمل فردي خاص استأثرت به فئة قليلة وتحول الى ملكية خاصة تسير لوحدها من دون الأخذ بعين الاعتبار للرؤى الوطنية الأخرى، وأضحت استراتيجيات التحالف من وجهة نظرهم هي المسار الأوحد للعمل الوطني وعلى الجميع من دون استثناء الدخول أو اللحاق بهم من دون ان يكون لهم الحق في تقويم «الاعوجاج» الذي يسير عليه التحالف، لأنهم بصريح العبارة لا يريدون لأي طرف وطني أن يكون له دور في العمل الوطني الديمقراطي.

وللأسف الشديد، بات التحالف الوطني الديمقراطي عنصرا منفرا لكل من يرغب في العمل الوطني، وأصبح جاذبا لعناصر معينة قريبة من توجهه الجديد، والخوف كل الخوف من أن يكون «مخترقا» من تيار التأسلم السياسي!!

* * * * *

من المضحك والمبكي في آن واحد ما «اتحفنا» به التحالف الوطني الديمقراطي بتصريحاتهم التي تنفي وجود نواب لهم في مجلس الأمة، وأن من ترشح لم يرفع شعار التحالف، ومن ثم يقولون اجتمعنا مع نواب التحالف، وبعدها «يقولون» ان رأي نواب التحالف في مجلس الأمة لا يمثل توجه التحالف الوطني الديمقراطي!!

* * * * *

سؤال موجه الى قيادة التحالف وأعضائه :هل  أنتم مظلة عمل وطنية تتبنى أطروحات أطراف التيار الوطني من المنبر الديمقراطي والمستقلين وغيرهم؟ أم إنكم تتبنون برنامجا خاصا بكم تطلبون من البقية اللحاق بكم؟

* * * * *

إذا كنتم مظلة للعمل الوطني فلماذا لا تدعون مظلة العمل الكويتي (معك) للدخول ضمن منظومة التحالف الوطني؟ أليست (معك) من أطراف التيار الوطني الذي تسعون الى توحيده؟

* * * * *

لم أكن أتوقع ردود الأفعال، سواء المؤيدة أو «المناهضة»، لمقالنا الذي نشر في العدد الماضي، فالبعض اتفق معي على ما طرحته، والبعض الآخر انتقدني بأن الوقت غير مناسب لـ «نشر الغسيل»، في حين أن هناك فئة ثالثة اعترضت بشكل كامل على كل ما كتبته، إلا أنني احترم كل الآراء ولها محل تقدير واهتمام لدي.

ولكني في النهاية أشكرهم جميعا، وأيقنت تماما بأن الرسالة التي أردت إيصالها قد وصلت بالفعل.

مجلة أبواب – العدد 74 – مايو 2010

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.