في نقد الحركة الوطنية الكويتية

هناك أسئلة كثيرة وعديدة حول الحركة الوطنية الكويتية وتتمحور هذه الأسئلة حول انخفاض تأثير الحركة في المجتمع الكويتي وانحسار شعبيتها في السنوات الأخيرة وما هي الأسباب والتداعيات التي أدت إلى ذلك .

ونحن في هذا المقال سنحاول بقدر استطاعتنا استعراض عدد من العوامل والمؤثرات التي ساهمت في هذا الانخفاض والانحسار لعلنا نصل إلى ما نصبو ونرمي إليه حتى تعود الحركة الوطنية والتيار الوطني إلى سابق عهده ، ويقود المجتمع الكويتي من جديد  .

(1)

تُعاني الحركة الوطنية في الكويت من ضعف شديد متنامي ، وهذا الأمر نتيجة للصراعات والتشرذم التنظيمي الذي عانت منه الحركة في السنوات الأخيرة حيث بدأت تظهر على السطح العديد من الإشارات والعلامات الدالة على ذلك ، ولعّل يأتي في مقدمتها الخسارة الواضحة لأركان التيار الوطني الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية الكويتية الأخيرة التي جرت عام 2003 ، أضف إلى ذلك ضعف انتشار التيار الوطني في المجتمع الكويتي وظهور عدد من التنظيمات التي تحمل الصبغة الوطنية في السنوات الأخيرة والتي كان وآخرها ’’ التحالف الوطني الديمقراطي ‘‘ والذي كان الهدف منه إعادة لم شمل أضلاع الحركة الوطنية الكويتية وإعطاء دور أكبر للشباب الوطني الكويتي ، ولكن حتى هذا التحالف لم يُقدّم الشيء الجديد لهذه الفئة ـ ونقصد هنا فئة الشباب ـ .

وللأسف الشديد ، من الواضح أن هناك عُقدة كبيرة تُعاني منها الحركة الوطنية في الكويت ( وهي في المقابل ليست حالة كويتية بل تنطبق على أطراف عديدة من الحركات الوطنية والقومية على المستوى العربي ) ، وهي بقاء الزعامات التاريخية في قيادة الحركة لفترات زمنية طويلة مما انعكس سلبا على أداء وفعالية الحركة ، فالتجديد شبه مفقود والعناصر الشبابية المنتمية لهذا التيار الوطني بدأت تشعر بعدم وجود مكان فعلي لها داخل التنظيم ، وهذا الإحساس يقتل أي حافز قد يكون موجود لدى هذه الفئة مما أوجد قطاع شبابي نستطيع أن نطلق عليه بـ ’’ القطاع السلبي ‘‘ حيث بدأت اهتمامات هذا القطاع بالشأن الداخلي المحلي ( الكويتي ) تقل تدريجيا وأصبحت مشاركاتهم في الحركة الوطنية محدودة جدا .

وهذه العقدة بدأت تلقى من ناحية أخرى قبولا من بعض الفئات الشبابية الوطنية ، بل أن بعض القيادات الشبابية التي أفسح لها المجال مؤخرا لاعتبارات معينة ، بدأت تُعلن عن نفسها بأنها هي صاحبة المشروع الوطني الديمقراطي في الكويت .

وفي المقابل أمام هذه المعطيات ، فإن هناك فئات من القطاع الشبابي غير قادرة على خلق ’’ حالة يسارية ‘‘ تُعيد الحيوية والتجديد لهذا التيار ، ويعود السبب في ذلك باعتقادنا إلى عاملين اثنين أساسيين : ـ

1- تهميش دور الشباب وعدم إفساح المجال لهم للبروز واعتبار الشباب أنهم مجرد أدوات لكسب رصيد انتخابي  لصالح مرشحي الحركة الوطنية .

2- إيمان فئات شبابية بأن عملهم وعطائهم لن يؤدي إلى النتيجة التي يتأملونها وبالتالي التوقف عن العمل أفضل من العمل في وضعية خاطئة حسب اعتقادهم .

ولعل العامل الثاني الأهم والأبرز في تشخيص حالة الشباب الوطني في الحركة الوطنية  .
هذان العاملان أديا إلى تقوقع التيار الوطني الكويتي وعدم إقدامه تجاه المجتمع ، بل أن هناك قضايا شعبية لم تعد من أولويات هذا التيار .

والمطلوب من الحركة الوطنية الكويتية إعادة تنظيم نفسها بشكل يفسح مجال أكبر وأوسع للشباب الوطني لقيادة الحركة الوطنية ، وعلى القيادات والزعامات التاريخية مراقبة هذا الوضع وإبداء الملاحظات في حالة وجود أية أخطاء محتملة .

(2)

بعدما تحدثنا عن انحسار دور الشباب الوطني داخل الحركة الوطنية الكويتية ، وما هو المطلوب من الحركة تجاه ذلك ، سنتوقف أمام المشكلة التنظيمية للحركة .

فالحقيقة المؤكدة في الناحية التنظيمية للحركة الوطنية الكويتية أنها لم تستقر على تنظيم وهيئة سياسية ثابتة وواضحة ، ففي الخمسينات من القرن الماضي التأمت العناصر الوطنية تحت تشكيلات حركة القوميين العرب في الكويت ، وفي العام 1967 بعد تزوير انتخابات مجلس الأمة وهزيمة حزيران تشكلت عدة تنظيمات وطنية وقومية من رحم حركة القوميين في الكويت مثل : الحركة الثورية الشعبية وحركة التقدميين الديمقراطيين والتجمع الوطني .

وحتى هذه التنظيمات تشرذمت وعانت من التساقطات وتشكلت منها أيضا تنظيمات أخرى مثل : حزب الشعب وحركة العمل واتحاد الشعب والتجمع الديمقراطي ، وبعد تحرير الكويت في العام 1991 تشكل المنبر الديمقراطي الكويتي والذي وحّد تنظيمات الحركة الوطنية ثم ظهر بعد ذلك التجمع الوطني الديمقراطي وأخيرا التحالف الوطني الديمقراطي ـ ولا نعلم إن كانت هناك تنظيمات وطنية جديدة أخرى ستظهر أم لا !! .

كثرة هذه التنظيمات والتجمعات الممثلة للحركة الوطنية أدت بطبيعة الحال إلى تشتت أطراف الحركة بين هذا التنظيم وذاك ، وأصبح التنافس فيما بينهم واضحا في محاولة لاستقطاب العناصر وأصبح التمازج والتداخل فيما بينها كبيرا كما يحصل الآن بين المنبر الديمقراطي والتحالف الوطني والذي أدى إلى ضياع جهد التنظيمين .

فهناك العديد من الأعضاء ينتمون إلى التنظيمين في نفس الوقت ( عضوية مزدوجة ) ، وهنا يكون عملهم وجهدهم ممزق ، فتارة نراهم يعملون للمنبر وتارة أخرى للتحالف !! وبدأ يحدث التنافس بين الطرفين في كيفية زيادة عدد أعضائه على حساب الطرف الآخر ، وأصبح الاعتماد على الكم .

هذا الأمر وإن كان غير ظاهر على السطح ، فإننا بدأنا نلتمسه جليا عندما نعمل تنظيميا .
والمطلوب هنا من الحركة الوطنية فك هذا التداخل والعمل من خلال تنظيم واحد يجمع كل الأطراف بدلا من التشتت الحاصل الآن .

فإذا كنا طرحنا ضرورة إعطاء المجال للشباب الوطني ، فإننا نرى أيضا أهمية وضرورة توحيد الحركة الوطنية وإلغاء التفرعات التنظيمية التي تحدث بين فترة وأخرى .

(3)

هناك قضية هامة تستوجب منا الوقوف أمامها ، وهي مسألة اختفاء الهوية الفكرية الواضحة للحركة الوطنية في الكويت ، فقد انتهجت الحركة منذ تحرير الكويت في العام 1991 عندما تأسس المنبر الديمقراطي الكويتي سياسة عرفت بـ ’’ تعويم الأيديولوجيا ‘‘ والذي كان أحد تداعيات الغزو العراقي للكويت وموقف التيارات والحركات القومية منه إضافة الى عامل آخر أتى لاحقا وهي انهيار المنظومة الاشتراكية وتأثيرها المباشر على كافة الحركات القومية والاشتراكية والتقدمية . وقد أدى ذلك  الى حدوث اختلاف جلي في التوجهات الفكرية والعقائدية لدى أطراف الحركة الوطنية ، فكان من الصعب إذابة الفوارق الفكرية مما جعل الحركة في المقام الأخير تتفق على خطوط عامة تُشكل أرضية توافقية بين هذه الأطراف اصطدمت في أحيان كثيرة بالواقع المتهالك للحركة .

فالحركة الوطنية الكويتية لا يزال خطابها السياسي غير واضح ومبهم في آن واحد ولم تستطع تطبيق برامج عملها ـ هذا إن كان هناك برنامج عملي واضح وشامل !! ـ ، فكل ما ترتكز عليه الحركة في المرحلة الحالية هو الموقف من السلطة السياسية والحفاظ على دستور 1962 دون المحاولة لتطويره وتفعيله !!

ولكن هذان الموقفان يحتاجان إلى تدعيم من قواعد شعبية ، وهذه القواعد تحتاج من الحركة الوطنية تقديم هوية فكرية واضحة المعالم لا لبس فيها حتى ترتبط وتتفاعل مع الحركة ، والحركة أيضا مطالبة ببرنامج شعبي يتوافق مع مطالب الشارع الكويتي .

كل هذه الأمور مفتقدة في الحركة الوطنية الكويتية في المرحلة  الراهنة ، فكل ما تُقدمه الحركة الآن عبارة عن ردود أفعال فورية تجاه أحداث معينة ، وهذه الردود في أحيان كثيرة غير مدروسة ، وهذه مشكلة كبيرة بحد ذاتها ، حيث فقدت الحركة خياراتها الإستراتيجية التي كانت تتميز بها في السابق ، فعلى سبيل المثال كان للحركة ـ في الخمسينات من القرن الماضي ـ رؤيتها تجاه المشكلة الإسكانية التي لم تحدث في تلك الفترة ، وجهزت دراساتها وأبحاثها للتعامل معها في حال وقوعها وعندما وقعت كان للحركة دورها الفعال تجاهها .. واليوم هل تملك الحركة مثل هذا الحدس والتوقع والتنبؤ .. بالطبع لا .

وهذا الأمر مؤشر خطير على انعدام التفكير بالمستقبل والذي هو نتيجة حصر الحركة صراعها وبقائها من خلال معركتها في مواجهة التيارات الدينية من جهة والسلطة من جهة أخرى .

وهنا يجب أن نحدد أن معركة الحركة الوطنية ليست مع هذا الطرف أو ذاك ، بل أن معركتها الحقيقية تكمن في مدى استطاعتها على خلق المواطن القادر على النهوض بمجتمعه والقادر على الدفاع عن قيم هذا المجتمع ومبادئه ضمن إطار الدستور والقانون ، هذه هي المعركة الحقيقية التي على الحركة الوطنية الكويتية استيعابها والتعامل معها .

وهذا الأمر بطبيعة الحال يحتاج من الحركة الوطنية أن ترتكز على قاعدة فكرية صلبة وخطاب سياسي واضح وبرنامج عمل موجه ينطلق منهما .

والسؤال : هل تتمكن الحركة الوطنية في الكويت من تجاوز هذه المعضلة والتغلب عليها ؟

(4)

وأخيرا .. نستطيع أن نحدد عددا من النقاط الهامة التي على الحركة الوطنية الكويتية تلافيها .

وهذه النقاط الأساسية يمكن تلخيصها في الأمور التالية :

1- إعادة تنظيم الحركة الوطنية لنفسها من خلال تجمع ( حزب ) سياسي واحد وإلغاء كافة التفرعات التنظيمية والتجمعات الموجودة التي تحمل نفس التوجهات الوطنية والديمقراطية .

2- إيجاد هوية فكرية واضحة تستند عليها الحركة ، وطرح خطاب سياسي يتوافق مع تطلعات المجتمع الكويتي .

3- طرح برنامج عمل واضح للحركة يتم من خلاله تحديد الهدف منه ، وآليات العمل وطريقة التنفيذ .

4- إعطاء فرصة أكبر للشباب الوطني الديمقراطي للنهوض بالحركة من الجديد .

جريدة السياسة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.