قضية للمناقشة: التيار الوطني الديمقراطي وملاحظات لا بد منها

جريدة الطليعة : 2 يناير 2013

جريدة الطليعة : 2 يناير 2013

قد تكون المناسبة جيدة في هذا الوقت، لمناقشة أوضاع التيار الوطني الديمقراطي، وتحديداً المنبر الديمقراطي. وإذا كنا قد سئمنا تكرار هذا الموضوع، لكن لا بأس من ذلك، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

ومناسبة هذا الحديث اليوم، تكمن في مسألتين اثنتين، الأولى: هي قُرب الموعد الذي حددته الأمانة العامة للمنبر لمؤتمرها السنوي الاعتيادي، والذي عادة ما تتم فيه مناقشة التقارير التنظيمية والسياسية والمالية، ومحاسبة أداء الأمانة العامة، خلال فترة قيادتها، ومن ثم انتخاب أمانة عامة جديدة تتولَّى مسؤولية المنبر لسنتين مقبلتين.

ويسبق انعقاد هذا المؤتمر، بأيام قليلة، إقامة مؤتمر استثنائي غير عادي، لمناقشة بعض التعديلات المقترحة للنظام الأساسي للمنبر، وإقرارها، للبدء في تنفيذها للدورة القادمة.

ولعل هذا الأمر مقدِّمة ضرورية، لمعرفة ما هو مُقبل عليه المنبر في القادم من الأيام، في الوقت الذي يتوقع فيه البعض أن مشروع التعديلات على النظام الأساسي من الممكن أن يشكِّل مدخلاً ضرورياً لمعالجة الخلل الذي يُعانيه المنبر الديمقراطي في سنواته الأخيرة.

لن ندخل هنا في تفاصيل المقترحات، والتي من السهولة تفنيدها ومعرفة مقاصدها، والظروف والملابسات التي أفضت إليها، ولن نتطرَّق أيضاً إلى أداء قيادة المنبر ومحاسبتهم، فلذلك أصوله وأعرافه، على الرغم من وجود العديد من الملاحظات على أدائهم.

أما المسألة الثانية، فهي ما تمر به البلاد من أجواء غير صحية في مختلف المجالات والأصعدة، فهناك فساد منتشر ومستشرٍ في قطاعات الدولة، وهناك حالات إفساد تتم بصورة منظمة، إضافة إلى المحاولات لضرب الأدوات الرقابية والتشريعية، بوسائل وطرق متعددة، وهذا يعني أننا في أوضاع غير طبيعية تستلزم قبل إقامة مثل هذا المؤتمر نقاشات مستفيضة وحيوية، حول كيفية الخروج من المأزق الذي نمر به، سواء على مستوى أوضاعنا المحلية، أو على مستوى التيار الوطني الديمقراطي، الذي نعيش فيه ونتعامل معه.

ومن هنا، سنحاول في هذا المقال رصد جملة من المعضلات الحقيقية، أستطيع أن أقول جازماً إن الجميع يدركها تمام الإدراك، ومع ذلك يتم تجاهلها بصورة كبيرة ومتعمَّدة.

وهذه المعضلات ليست وليدة اليوم، أو أنها نتاج أعمال قيادة المنبر الحالية، بل نتيجة طبيعية لتراكمات أخطاء الماضي، وعدم معالجتها بصورة واضحة وقاطعة، ما جعلها تستفحل أكثر، حتى أصبح البحث عن أي حل لمعالجة أوجه الخلل عبارة عن معضلة جديدة.

أزمة بنيوية

ولعل حالة المنبر هذه تعكس، بشكل أو بآخر، مشكلة التيار الوطني الديمقراطي، الذي يُعاني أزمة بنيوية حادة في مكوناته، وهو ما يفسِّر لنا تكاثر تنظيمات هذا التيار وتنوُّعها، وإن كان هذا الأمر جيداً، ولكن هذا التنوُّع والتكاثر و«التفريخ» لا يستند إلى قاعدة شعبية من الممكن أن تدافع عنه، لسبب بسيط، أن غالبية هذه التنظيمات تفتقد للبرنامج السياسي الذي يُعبِّر عن حال المجتمع الكويتي، بجميع أطيافه ومكوناته الاجتماعية، فكل ما تمتلكه لا يعدو كونه رؤى بعض أفرادها ومرشحيها تجاه قضايا محددة تكون فيها المصلحة أو الموقف الشخصي دافعاً وراءها، كما أن مواقفها السياسية لم تتجاوز حد «ردة الفعل» تجاه ما يمر به المجتمع من أحداث.

جزئية صغيرة

إضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من التمسُّك الظاهري والمبدئي لهذه التنظيمات في دفاعها عن دستور 1962، فإنها لا تدافع عنه كوحدة متماسكة، بل إن قضاياها تقلَّصت إلى مطلب واحد، وهو مناداتها بـ«الحرية»، وإن كان هذا التوجُّه ضرورياً، إلا أن الدستور يحتوي مفاهيم عديدة وكبيرة ينبغي الدفاع عنها، لا التوقف أمام جزئية صغيرة منه.

تفاعل معدوم

القضية الأخرى، هي عدم تفاعل أعضاء التيار الوطني مع ما تقدِّمه التنظيمات الوطنية الديمقراطية والتقدُّمية من برامج وأنشطة وفعاليات.. ففي أفضل الأحوال لا يتعدَّى الحضور في أي ندوة أو مهرجان تقيمه هذه التنظيمات حضور ديوانية صغيرة، عدد روادها لا يتجاوز العشرين شخصاً، وهذا أمر مؤلم جداً، ويؤكد للجميع أن الانتماء للحركة الوطنية لم يعد دافعاً للعديد، كما أن المنتمين لها لا يبدون رغبة كبيرة في الدعم، وهو مؤشر سلبي. فإذا كنا نبحث عن قاعدة وتأييد شعبي، فإنه من المفترض أن تكون تنظيمات الحركة الوطنية تحظى بدعم أعضائها ومؤيديها بالدرجة الأولى.

تشابك تنظيمي

المسألة الرابعة تكمن في «التخالط» التنظيمي الواضح والمستمر بين أعضاء التنظيمات الوطنية، والتداخل غير المقبول بينها، ما يؤثر سلباً في أدائها. فمن غير المعقول والمقبول أن أعضاء في تنظيم معين، ويحتلون مراكز قيادية فيه، يكونون في الوقت ذاته أعضاء في تنظيم آخر، بل ولهم أدوار قيادية. هذا التمازج والتخالط أثر في أداء هذه التنظيمات، فكل عضو لا يجد «هواه» في تنظيم ما يذهب تلقائياً إلى آخر، ما يشير إلى فجوة عظيمة في العمل التنظيمي والسياسي، حتى باتت المواقف السياسية رمادية وغير واضحة، ولا تحمل أي معالم.

مفهوم مبتور

أما المسألة الخامسة، فمازال الجميع يعيش في وهم مفهوم التحالف الوطني الديمقراطي، ونقصد هنا تحديداً المفهوم الذي خرج به عند تأسيسه، وهو أن يكون مظلة أو جبهة تنطوي تحته كل التفرُّعات الوطنية الديمقراطية، ولكن هذا المفهوم تغيَّر وذهب إلى اتجاه آخر، حتى أضحى التحالف تنظيماً مستقلاً بذاته، له أفكاره ورؤاه، والتي قد لا تتفق مع الأطراف المشاركة فيه، لظروف مصلحية خاصة ومعيَّنة. وهذه المسألة تستلزم الجرأة في الطرح، والتوقف أمامه، والحد من سطوته، وخصوصاً عندما تضيع الفكرة الأساسية، وتتحوَّل إلى فكرة أخرى ذات نطاق ضيِّق.

تعامل سيئ

في حين تكمن المعضلة السادسة، والتي تمثل أهمية كبيرة، فهي التعامل الفوقي من قِبل بعض التنظيمات الوطنية مع التنظيمات السياسية الأخرى، وعدم اقترابها منها في عدد من القضايا الأساسية والمحورية، بحجج مختلفة ومتنوِّعة. ولعل الموقف من المقاطعة الانتخابية الأخيرة خير دليل على هذا التعامل، وهو ما أثر في حضور التيار الوطني بالشارع الكويتي في هذه الأزمة. فقد كان لافتاً أن بعض التنظيمات أرادت الاستئثار لوحدها في اتخاذ الموقف السياسي، كما حدث في «الرصاصات الخمس» التي أسقطت غالبية مرشحي هذا التيار في انتخابات فبراير 2012، التي أُبطلت لاحقاً.

كلمة أخيرة

هذه جملة من العوامل والمعضلات نرصدها ونقدِّمها في صورة حوار مفتوح وجاد لكل أطراف التيار الوطني الديمقراطي والتقدُّمي، في محاولة جادة لتصحيح المسار والاعوجاج القائم.

وإذا كان هذا النقد موجهاً إلى التيار الوطني، بجميع صفوفه، فإنني أوجهه أولاً إلى المنبر الديمقراطي، لأنه يمثل – تاريخياً – رأس الحركة الوطنية، وهو القادر على إعادة الاعتبار للتيار الوطني الديمقراطي، وعلينا أن ندرك بأن المرحلة المقبلة من العمل الوطني تستلزم تقديم التنازلات من كل الأطراف الوطنية، فلا تعنت وصد للآخر والهجوم عليه، كما يحدث حالياً.

وأعتقد جازماً، أيضاً، أن الشباب الوطني والتقدُّمي قادر على خلق فرص حقيقية لإعادة الاعتبار للتيار الوطني الديمقراطي التقدُّمي، بعيداً عن حسابات «المصلحة الخاصة»، التي يلعب بورقتها بعض الأطراف.

جريدة الطليعة الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.